- محمد أشهبار
وأنا أتجول بحذر في الفضاء الأزرق لأطلع على بعض التدوينات الجادة، والأخبار المختلفة التي تأتينا من مختلف بقاع الأرض، أقول بحذر، لأننا أصبحنا نعيش في عالم أصبحت فيه الحقيقة مكلفة وغير سهلة المنال، رغم أن هناك من يقر أن المعلومة في العصر الحديث سهلة وفي متناول الجميع، لكن للأسف الشديد هذا ليس صحيح، لأننا أصبحنا نتعامل مع ازدحام المعلومات، في المقابل هناك شح في نشر الحقيقة، فالذكاء الاصطناعي يزاحم الحقيقة إلى درجة تنهك فيه حرمة الحقيقة، لهذا قلت أنني أصبحت أتعامل بحذر شديد، بل في كل مرة أجد نفسي مضطرا لاستدعاء الشك المنهجي الديكارتي كوسيلة فلسفية لخلخلة غباء الذكاء الاصطناعي.
هذه المرة وقعت عيني على ملصق يتضمن عدة شخصيات ربما هي متخصصة في مجالات مختلفة، معنون بـ “ليلة الفلسفة” للمحاضرة في التراث والفلسفة. رغم اطلاعي بالفلسفة، لم أجد من بين الشخصيات المغربية في الملصق من له إصدارات فلسفية. شككت في الملصق، أصبت بالدهشة وآسف، لكن سرعان ما حولت الإحساس إلى دهشة فلسفية فاستدعيت في الحين المنهج الديكارتي وتسلحت به.
قمت مباشرة بزيارة مصدر الملصق و هي صفحة الأستاذ عصيد، تأكدت بعدها أن الأمر أصبح واقع، وأن الملصق حقيقة، وأن الفلسفة تسلل إليها الفساد.
أحسست بألم فضيع، بحسرة، بوجع، لم أكن أتوقع يوما ما أن “قاعدة باك صاحبي” ستتسلل إلى محبة الحكمة، بعد أن طبعنا مع هذه القاعدة الخبيثة في مجالات أخرى. كتبت تعليقا قصيرا على الملصق في صفحة الأستاذ عصيد، مضمونه أن هذه الوجوه لا علاقة لها بالفلسفة. أغلقت الصفحة ومضيت وكأنني منهزم، نعم أحسست بالانهزام.
في اليوم الموالي من التعليق، توصلت بمنسجنر باسم صفحة الأستاذ عصيد يقدم نفسه أنه أدمين الصفحة، دخل معي في نقاش حول الهدف من تعليقي. خلصها أن دافع التعليق هو الحسد. ما زلت أحتفظ بهذا النقاش. اكتشفت في الأخير أن الأدمين مستواه متواضع جدا ولا يعرف أي شيء عن الفلسفة، حاول أن يجتهد لكنه تخبط، حاول أن يبرر استدعاء هذه الشخصيات بخلفية متخلفة تفتقد لأدنى شروط اختيار الشخصيات لتحاضر في هذا الموضوع. لكن كل مرة كنت أؤكد له أن دافع هذا التعليق هو الحسرة والألم، لكن يبدو أن ذلك الشخص لم يكن في مستوى استيعاب بعض المفاهيم. آنذاك أدركت لماذا تم استدعاء هذه الشخصيات التي أسندت لها مهمة أكبر منها، لأن الهدف كان هو تقزيم مفهوم الفلسفة والفعل الفلسفي.
يبدو أن فلسفة “ليلة الفلسفة” المراكشية و ليس الماركسية، لم تكن في مستوى طائر مينرفا إله الحكمة عند اليونان، الذي شبه هيغل الفلسفة بهذا الطائر الذي يستيقظ بالليل للتأمل بأحداث النهار، يعني تجعل من أحداث النهار مواضيع لممارسة الفعل الفلسفي. هل كان بإمكان مريم عصيد وهي بنت أحمد عصيد التي كانت من الشخصيات الحاضرة أن تلعب دور طائر مينرفا في ليلة الفلسفة بمراكش؟ هل بإمكان الفقيه مثل محمد رفيقي أن يبدع مفاهيم فلسفية ويوظفها في معالجة إشكالية فلسفية كالتراث مثلا؟ هل لطيفة أحرار قادرة على حمل مطرقة نيتشه وتوظيفها بدون اعوجاج لنقد التراث مثلا؟
هي في الحقيقة أسئلة استنكارية. الفعل الفلسفي هو ممارسة التفلسف في حدود معرفة الموضوع المراد مناقشته. لم تكن الفلسفة يوما تأثيثا لنقاشات الصالونات عبر استدعاء وجوه لها حضور إعلامي ربما في مجالات أخرى. الفلسفة لن تنال منها نقاش الصالونات، الفلسفة مستمرة وتستمر باستمرار القلق الإنساني و الوجودي الذي تعبر عنه.
الفلسفة مرتبطة بالسؤال و ليس بالجواب المعاق الذي يقدم في الصالونات. الفلسفة هي رهينة السؤال، أتقن طرحه سقراط في ساحة أكورا حيث كانت أغلب النقاشات تنتهي بالسؤال مما يعني ولادة موضوع جديد للنقاش، عكس ما يقدم في النقاشات الصالونية التي تأتي بأجوبة جاهزة لتعدم فيه السؤال. إنه إعلان صريح و ضمني بموت الفعل الفلسفي، بل إعلان رسمي أن ليلة الفلسفة المراكشية باستدعائها لهذه الوجوه هي ليست ليلة السؤال بل ليلة الجواب الجاهز.
يبدو أن هناك إقصاء ممنهج في حق من هم أدرى بالفلسفة وبتاريخ أفكارها، خاصة أن اللقاء عرف حضور شخصيات أجنبية، في حين لم يتم استدعاء ولو أستاذ واحد من الأساتذة المتخصصين، كأن الجامعة المغربية تخلو من هذا التخصص. غياب قامات فكرية من قبيل: كمال عبد اللطيف، بنسالم حميش، محمد المصباحي، محمد الدكالي، نور الدين أفاية، طه عبد الرحمن، عبد النصر البوعزاتي… واستدعاء مريم عصيد يطرح أكثر من علامات استفهام!
في الدول المتقدمة التي تحترم الكفاءات والتخصصات، تستدعي أهل التخصص لمناقشة المواضيع المراد مناقشتها. لكن في المغرب، القائمين على تسيير و تنظيم اللقاءات، سواء أكانت ندوات أو لقاءات في قناة عمومية، يتم الاعتماد على عنصر أساسي هو الحضور الإعلامي للشخص وليس المكانة العلمية. ستجد مؤثرا يتم استدعاؤه لمناقشة إصلاح التعليم، في حين يتم تغييب الإطار التربوي، كما يتم استدعاء صحفي لمناقشة ظاهرة الطلاق لأن له حضور إعلامي ليتم تغييب المتخصصين في علم الاجتماع، و هكذا دواليك.
إلى متى سيبقى هذا العبث؟
