- عماد العتابي
عشر سنوات مرّت على جريمة طحن الشهيد محسن فكري، وعشر سنوات على اندلاع حراك الريف، عشر سنوات كاملة لم تكن مجرد مرور عابر للزمن بل عقدا من الألم والقهر والاعتقالات والمحاكمات والتهجير الممنهج، عقدا من المعاناة التي لم تتوقف عند حدود الريف، ولم تنتهِ عند أبواب السجون بل امتدت لتلاحق الإنسان الريفي في وطنه ومنفاه، وتطارده حتى خارج الحدود، في مشهد تختلط فيه المأساة الاجتماعية بالحصار السياسي والحقوقي، وتتحول فيه المطالبة بالكرامة والحرية إلى رحلة طويلة من دفع الأثمان.
عشر سنوات، وما زالت الجراح مفتوحة، وما زالت عائلات المعتقلين تعيش على أمل الحرية، وما زال المنفيون يحملون وجع الاقتلاع والحرمان، وما زال المتابعون والملاحقون في أوروبا يواجهون قلقا لا ينتهي، بينما هناك آخرون يعانون في صمت، بعيدا عن الأضواء والكاميرات، لا تقل معاناتهم عمقا عن معاناة الذين يقبعون خلف القضبان. فليس السجن وحده هو الذي يصادر الحرية، وليس المنفى وحده هو الذي يسرق العمر؛ هناك أيضا سجن الخوف، وسجن الانتظار، وسجن العجز عن العيش بكرامة وأمان، وسجن الشعور بأنك مستهدف حتى وأنت بعيد عن أرض الوطن.
لقد أثبتت السنوات العشر الماضية أن المأساة أكبر من أن تُختزل في ذكرى سنوية أو في أسماء المعتقلين وحدهم، أو في صور تُستعاد كلما حلّ الثامن والعشرون من أكتوبر. نحن أمام جرح جماعي امتد أثره إلى الأسر والأصدقاء والأحياء والمدن، وأمام ذاكرة لم تستطع السنوات محوها، لأن أسباب الألم لم تُمحَ، ولأن الأسئلة التي فجّرت الغضب ما زالت تطالب بأجوبة، ولأن الثمن الذي دفعه أبناء الريف وكل المتضامنين معهم لم يكن ثمنًا عابرًا يمكن تجاوزه بمجرد مرور الوقت.
إن المؤلم في هذه المأساة ليس فقط ما وقع قبل عشر سنوات، بل أن تستمر آثارها إلى اليوم، وأن يجد الإنسان نفسه مضطرا إلى الاختيار بين الصمت حفاظا على سلامته، أو التعبير عن قناعاته وتحمل تبعات ذلك. والأشد إيلاما أن يتحول المنفى إلى امتداد للمعاناة، وأن يظل الخوف حاضرا في حياة من غادروا البلاد، وأن تستمر الملاحقات القضائية العابرة للقارات في إثقال كاهل أشخاص لم يحملوا معهم إلى بلدان اللجوء والمنفى سوى ذاكرتهم ومواقفهم وأحلامهم المؤجلة.
عشر سنوات، ولا يزال السؤال معلقا، فمن سيضع حدا لكل هذا الألم ولهذا العبث؟ من سينصف الضحايا ويعيد الاعتبار للمعتقلين وعائلاتهم، وينهي معاناة المنفيين والملاحقين، ويمنح الذين يعيشون في صمت حقهم في أن تُسمع أصواتهم؟
إننا لا نتحدث عن عشر سنوات من الذاكرة فحسب، بل عن عشر سنوات من أعمار بشرية استُنزفت وأحلام أُجهضت وعائلات أنهكها الانتظار وشباب وجدوا أنفسهم بين السجون والمنفى والملاحقات، وآخرين اختاروا الصمت لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد. عشر سنوات من المعاناة التي لا يجوز اختزالها في أرقام أو مناسبات، ولا يجوز مطالبة أصحابها بإغلاق صفحاتها بينما هم ما زالوا يعيشون تداعياتها كل يوم.
إن طحن محسن فكري لم يكن مجرد نهاية مأساوية لحياة إنسان، بل كان لحظة كشفت عمق الاختلالات التي فجّرت غضب الريف. وبعد عشر سنوات لا تزال المعاناة مستمرة، فمن يتحمل مسؤولية استمرارها؟
متى تنتهي هذه المعاناة؟ متى يأتي اليوم الذي لا تضطر فيه أم ريفية إلى انتظار ابنها خلف القضبان، ولا يجد فيه شاب نفسه مجبرا على المنفى، ولا يعيش فيه ناشطأو متابع أو ملاحق ريفي تحت وطأة الخوف، ولا يضطر فيه إلى دفن ألمه في صمت حتى يحمي ما تبقى من حياته؟
عشر سنوات كانت كافية لتؤكد أن النسيان ليس حلا وأن الصمت ليس مصالحة وأن الزمن وحده لا ينصف أحدا. وما لم تنتهِ أسباب المأساة، وتُرفع المظالم، ويُستعد للإنسان حقه في الكرامة والحرية والأمان، ستظل هذه الذكرى أكثر من مجرد تاريخ في الذاكرة؛ ستظل شهادة على إجرام النظام المغربي في حق الريف.
عشر سنوات على طحن الشهيد محسن فكري، وعشر سنوات على حراك الريف، وعشر سنوات من الألم الممتد من السجون إلى المنافي، ومن الوطن إلى أوروبا. عشر سنوات وما زال الجرح ينزف. فإلى متى؟
