سبتة – تقرير
لم يكن الطريق إلى سبتة مجرد مسافة قصيرة تفصل بين ضفة وأخرى، بل كان مسافة عميقة تفصل بين حلم طفل وواقع وطنه. هناك، عند الأسلاك الشائكة والبحر الذي تحول إلى ممر للنجاة، لم تكن الأقدام الصغيرة تحمل أجسادا فقط، بل كانت تحمل سؤالا ثقيلا لا يمكن دفنه خلف البيانات الرسمية؛ ما الذي يجعل طفلا يغامر بالمجهول، ويقتنع بأن مستقبله يبدأ لحظة مغادرته لوطنه؟
في سبتة، لم تصل أرقام فقط ولم تعبر حدود مجردة، بل وصلت حكايات أطفال وجدوا أنفسهم غرباء في مكان لم يولدوا فيه، يبحثون عن حماية يفترض أن تكون أقرب إليهم في وطنهم. وبينما كانت المؤسسات الإسبانية تتحرك لترتيب أماكن الإيواء والرعاية، ظل السؤال معلقا في الجهة الأخرى من الحدود؛ أين صوت الوطن الذي ينتمي إليه هؤلاء الأطفال؟
إن مأساة القاصرين المغاربة في سبتة ليست مجرد فصل جديد من فصول الهجرة، بل مرآة قاسية لواقع لا تستطيع الخطب ولا صور المشاريع الكبرى أن تخفيه. فحين يصبح الطفل مستعدا لمواجهة المجهول قبل أن يجد الأمان في بلده، فإن الأزمة لا تكون في الطريق الذي سلكه، بل في الطريق الذي لم يجده داخل وطنه.
أزيد من 7 آلاف قاصر مغربي غير مصحوبين بذويهم يوجدون في سبتة، وفق تقديرات منظمات حقوقية، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية التي عرفتها المدينة. أطفال ومراهقون وجدوا أنفسهم بين واقع تركوه خلفهم ومستقبل لا يعرفون ملامحه، ينتظرون أن تُفتح لهم أبواب الحماية في مكان لم يكن يومًا وطنهم.
في المقابل، تحركت السلطات الإسبانية للتعامل مع الملف باعتباره مسؤولية قانونية وإنسانية، عبر توفير الإيواء والرعاية والعمل على نقل القاصرين إلى مناطق أخرى بسبب الضغط الكبير على قدرة المدينة الاستيعابية. وبينما تُطرح في إسبانيا أسئلة حول كيفية إدارة الأزمة، يبقى السؤال الأكثر حساسية مطروحا في المغرب، كيف وصل هؤلاء الأطفال أصلا إلى هذه النقطة؟
القضية لا تختزل في لحظة عبور الحدود، ولا في مشهد تدفق المهاجرين إلى سبتة، بل في الأسباب التي دفعت هؤلاء القاصرين إلى اتخاذ قرار يحمل كل هذه المخاطر. فالطفل الذي يختار طريق البحر أو الأسلاك الشائكة لا يبحث فقط عن مكان آخر، بل يبحث عن احتمال آخر للحياة.
إن أخطر ما تكشفه مأساة سبتة ليس عدد الوافدين، بل المعنى الذي يحمله هذا العدد. فعندما يصبح الرحيل حلما لدى فئات واسعة من الشباب، وعندما يصل الأمر إلى الأطفال، فإن المسألة تتجاوز الهجرة لتصبح أزمة ثقة بين المواطن ووطنه.
لقد اعتاد الخطاب الرسمي تقديم صورة المغرب الصاعد عن مشاريع كبرى، وعن بنية تحتية ضخمة، استثمارات، وعن مواعيد دولية كبرى مثل كأس العالم 2030. لكن صور القاصرين في سبتة تفرض سؤالا مختلفا تماما.. ما قيمة كل هذه الإنجازات إذا كان أطفال هذا الوطن يرون مستقبلهم خارج حدوده؟
إن مأساة سبتة ليست مأساة حدود فقط، بل مأساة علاقة بين وطن وأبنائه. فالقاصر الذي يغادر بلده بحثًا عن الأمان لا يحمل معه حقيبة سفر فقط، بل يحمل شهادة صامتة عن واقع دفعه إلى الرحيل.
سبتة لم تكشف أزمة هجرة فقط، بل كشفت جرحا أعمق؛ جرح الثقة. وعندما يفقد الأبناء ثقتهم في المستقبل داخل وطنهم، تصبح الحدود أقل ارتفاعا من اليأس الذي يدفعهم إلى عبورها.
