تقرير – الرباط / باريس
«المصالحة الحقيقية لا تُبنى على النسيان أو الإفلات من العقاب، بل على الحقيقة والمساءلة والاعتذار الرسمي». بهذه الكلمات، تختصر سعاد براهمة رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، جوهر قضية لم يستطع مرور واحد وستين عاما أن يطويها؛ قضية المهدي بن بركة، المعارض اليساري الذي اختُطف في باريس يوم 29 أكتوبر 1965 وغُيّب جسده، بينما بقيت الحقيقة غائبة عن أسرته ورفاقه والرأي العام.
في الذكرى الحادية والستين لاختطافه، المتزامنة مع الذكرى الثالثة والخمسين لاختطاف المناضل الحسين المانوزي، يعود السؤال الذي يحرج الدولة المغربية ومؤسساتها حول لماذا لا يزال مصير أحد أبرز معارضي النظام في ستينيات القرن الماضي مجهولا ولماذا لم تُكشف حتى اليوم، جميع ملابسات القضية والمسؤوليات المحيطة بها؟
في تصريح لـ«صدى الحقيقة»، جدّدت براهمة العهد لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان منذ سنة 1956، مؤكدة أن ملفات الاختفاء القسري لم تُغلق وأن أي مصالحة لا تستند إلى الحقيقة والمحاسبة والاعتذار الرسمي تظل مصالحة منقوصة. فالماضي كما تشدد المطالب الحقوقية، لا يتحول إلى تاريخ منته بمجرد مرور الزمن، ولا تُمحى مسؤولية الدولة عن طريق الصمت أو إغلاق الملفات إداريا وسياسيا.
وطالبت براهمة بكشف مصير المختفين قسرا، وفي مقدمتهم المهدي بن بركة والحسين المانوزي وعبد الحق الرويسي وعبد اللطيف زروال، وبالتعاون الجدي بين القضاءين المغربي والفرنسي لاستكمال التحقيق في قضية بن بركة، ونشر نتائج التحاليل الجينية للرفات المرتبطة بالملفات العالقة. كما ربطت بين إرث الانتهاكات الماضية وما وصفته باستمرار التراجعات الحقوقية، داعية إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي وصون حرية التعبير والاحتجاج السلمي، وإنشاء آلية وطنية تواصل البحث عن الحقيقة.
ليست هذه المطالب مجرد استعادة لذكرى أليمة؛ إنها مساءلة مباشرة لدولة لم تقدّم حتى الآن، جوابا كاملا عن مصير رجل كان يوما في قلب الحياة السياسية المغربية، ثم تحوّل اختفاؤه إلى واحد من أكثر ملفاتها إيلاما واستعصاءً.
المهدي بن بركة.. مناضل واجه الاستعمار ووكلائه ولم يقبل أن يصبح الاستقلال نهاية السياسة
وُلد المهدي بن بركة بالرباط سنة 1920، في مغرب خاضع للحماية الفرنسية. برز مبكرا في الحركة الوطنية، وعمل مدرّسا للرياضيات، قبل أن يتقدم إلى واجهة النضال السياسي، مؤمنا بأن التعليم والتحرر الوطني لا ينفصلان عن بناء مجتمع أكثر عدلا ومشاركة.
انخرط في حزب الاستقلال، ثم أصبح من أبرز مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959، في لحظة أخذت فيها الخلافات حول طبيعة الدولة المستقلة ومكانة المعارضة اليسارية تتصاعد. لم يكن الاستقلال في نظر بن بركة، نهاية النضال، بل بداية معركة أخرى حول من يحكم المغرب؟ ولصالح من تُبنى مؤسساته؟ وهل يمكن أن تتحول الدولة المستقلة إلى دولة ديمقراطية تتيح التعدد والمحاسبة، أم سيبقى القرار محتكرا وتُدفع المعارضة إلى الهامش والمعتقلات السرية والتغييب القسري؟
كانت تلك الأسئلة في صلب صراعه السياسي. ومع اتساع الهوة بينه وبين السلطة، غادر المغرب سنة 1963، بعدما أصبح من أبرز وجوه المعارضة في المنفى. وفي العام التالي، صدر بحقه حكم بالإعدام غيابياً في سياق الصراع السياسي مع النظام؛ وهو ما يكشف مدى حدة المواجهة التي سبقت اختطافه.
من المغرب إلى العالم.. مشروع تحرر يتجاوز الحدود
تجاوز طموح بن بركة حدود المعارضة الوطنية. فقد ربط بين التحرر من الاستعمار والتحرر الاجتماعي والاقتصادي، وسعى إلى وصل الحركات الثورية وحركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وكان من أبرز وجوه التحضير للمؤتمر الثلاثي القارات الذي انعقد في هافانا في يناير 1966، وجمع قوى مناهضة للاستعمار والإمبريالية. وبذلك أصبح بن بركة جزءا من حركة دولية تناقش شكل النظام العالمي وموقع الشعوب المستقلة حديثا فيه.
هذا البعد الأممي مهم لفهم مكانته السياسية، كما يساعد على تفسير أن اختفاءه لم يكن قضية مغربية داخلية فحسب، بل قضية امتدت إلى شبكات أمنية وسياسية عابرة للحدود. غير أن اتساع القضية لم يضمن الوصول إلى الحقيقة؛ فقد ظلت التحقيقات والمحاكمات عاجزة عن كشف المصير النهائي للرجل الذي كان يستعد لمواصلة مشروعه السياسي والفكري.
29 أكتوبر 1965.. اختطاف في باريس وأسئلة وصلت إلى قلب الدولة
في ذلك اليوم، اختُطف المهدي بن بركة أمام مطعم «ليب» في باريس، بعدما التقى شرطيين فرنسيين أوقفاه واقتاداه بعيدا. ومنذ تلك اللحظة، لم يظهر علنا مرة أخرى، ولم يُعثر على جثمانه.
كشفت التحقيقات والمحاكمات الفرنسية عن تورط أشخاص من الشرطة الفرنسية وأوساط أمنية، كما طالت القضية عناصر من الموساد ومسؤولين مغاربة كبارا بينهم وزير الداخلية آنذاك الجنرال محمد أوفقير. وفي يونيو 1967 صدرت أحكام في القضية، بينها أحكام بالسجن المؤبد غيابيا بحق أوفقير وآخرين، فيما أُدين شرطيان فرنسيان بعقوبات سجنية. لكن المحاكمة لم تكشف مصير بن بركة، ولم تُنهِ الأسئلة المتعلقة بمن خطط للاختطاف وبمصيره؟
إن وجود مسؤولين مغاربة في قلب التحقيقات التاريخية والأحكام الفرنسية الصادرة في القضية، يجعلان من تعاون الدولة المغربية مع القضاء الفرنسي واجبا لا يمكن الالتفاف عليه. وقد خلص تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة إلى أن الدولة المغربية ملزمة بالمساهمة في كشف الحقيقة، بالنظر إلى تورط أحد أجهزتها الأمنية في عملية الاختطاف، وبالتعاون القضائي اللازم لاستكمال التحقيق.
فإذا كانت الدولة تريد إقناع المغاربة بأن صفحة الانتهاكات قد طُويت، فإن قضية بن بركة تضعها أمام اختبار لا يمكن تجاوزه بالشعارات؛ فإما كشف الحقيقة كاملة، وإما أن يظل الصمت نفسه جزءا من الأزمة.
61 عاما.. من يحمي الحقيقة من النسيان؟
لا تزال قضية بن بركة مفتوحة على أسئلة أساسية حول مكان جثمانه؟ وحول ما التسلسل الكامل للأحداث التي أعقبت اختطافه؟ وما المعلومات والوثائق التي لم تُكشف بعد؟ وفي سبتمبر 2026، أعادت تقارير صحفية فرنسية ومغربية تسليط الضوء على استمرار التحقيق، وعلى مطالب عائلة بن بركة بإجراء أبحاث جديدة في مواقع يُشتبه في ارتباطها بالقضية وتنفيذ أوامر قضائية دولية لا تزال محل متابعة.
ولا تعني هذه المعطيات أن كل الروايات المتداولة قد ثبتت، لكنها تؤكد أن الملف لم يصل إلى خاتمة قضائية تكشف المصير النهائي لبن بركة وتحدد جميع المسؤوليات. كما أن استمرار التحقيق بعد كل هذه العقود يجعل التعاون مع القضاء الفرنسي، وإتاحة الوثائق والشهادات ذات الصلة، مطلبين لا يحتملان التسويف.
أما في المغرب، فإن المسألة تتجاوز تحديد مكان الجثمان. إنها تتعلق بحق المجتمع في معرفة ما جرى، وبمسؤولية النظام السياسي المغربي عن ماضيه، وبمدى جدية الالتزام بعدم تكرار الانتهاكات. فلا معنى للمصالحة إذا ظل الضحايا وعائلاتهم ينتظرون أجوبة، ولا قيمة لخطاب دولة “الحق والقانون” إذا بقيت قضية بهذا الحجم معلّقة بين الذاكرة والصمت.
بن بركة.. الغائب الذي يفضح عجز الحقيقة
بعد واحد وستين عاما، لا يمكن اختزال المهدي بن بركة في صورة معارض يساري اختُطف في باريس. فالرجل كان رجل سياسة وفكر، ومناضلا ربط استقلال المغرب بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ورفض أن يكون الاستقلال غطاء لاحتكار السلطة أو لإقصاء المعارضة. ولهذا بقي اسمه حاضرا في الذاكرة المغربية، لا باعتباره ضحية جريمة ارتكبها النظام المغربي فحسب، بل باعتباره رمزا لسؤال لم يُحسم، فأي مغرب كان يمكن أن يُبنى لو انتصرت السياسة على القمع، والمحاسبة على الإفلات من العقاب؟
إن المسؤولية التاريخية والأخلاقية للدولة المغربية لا تنتهي بتغيّر الحكام ولا تسقط بالتقادم. ولا يكفي استحضار بن بركة في المناسبات أو الإشادة برمزيته، فيما يظل مصيره مجهولا وتظل أسرته والرأي العام ينتظران الحقيقة. فالمطلوب ليس شعارات جديدة عن المصالحة، بل خطوات ملموسة تبدأ بكشف الوثائق ورفع كل العراقيل أمام التحقيقات، مرورا بالتعاون الكامل مع القضاء وتحديد المسؤوليات ومساءلة المتورطين، وصولا إلى الاعتذار الرسمي حيث تثبت المسؤولية، وضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات.
الانحياز إلى المهدي بن بركة هو انحياز إلى حق المغاربة في الحقيقة، وإلى حقهم في دولة لا تخاف من كشف ماضيها ولا تحتمي بالصمت أمام أسئلة العدالة. أما الدولة التي تريد طيّ هذا الملف من دون كشف مصير صاحبه، فإنها تطلب من المجتمع أن ينسى قبل أن يعرف، وأن يتصالح قبل أن يُنصف الضحايا.
لا مصالحة بلا حقيقة، ولا عدالة مع الإفلات من العقاب، ولا ذاكرة وطنية مكتملة ما دام مصير المهدي بن بركة وحدو أوقشيش واعبابو مجهولا، فالجسد الذي اختفى لا يمنح الصمت براءة، والزمن الذي مرّ لا يحوّل الجريمة إلى أمر منسي؛ بل يجعل كشف الحقيقة أكثر إلحاحا ومحاسبة المسؤولين أكثر ضرورة.
