- عماد العتابي
بين احتفالات في المغرب وأخرى في مخيمات تندوف، عقب التطورات المتسارعة التي شهدها ملف الصحراء بمجلس الأمن، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز حدود النزاع الإقليمي لتلامس حسابات القوى الكبرى ومشاريع إعادة ترتيب وتقسيم النفوذ في شمال إفريقيا والساحل. وفي خضم هذه التحولات يبرز سؤال بالغ الخطورة عمّا إذا كانت المنطقة مقبلة على تسوية تاريخية أم أنها تتجه نحو مواجهة تكون فيها الشعوب المغاربية أول من يدفع ثمنها؟
لم يكن الفيتو الروسي الذي أسقط مشروع القرار الأمريكي بشأن المينورسو مجرد تفصيل دبلوماسي عابر، كما لم يكن فشل المشروع الروسي البديل حدثا عاديا، فما جرى داخل مجلس الأمن كشف عن حجم التباعد بين القوى الكبرى، وترك مستقبل البعثة الأممية معلقا قبل انتهاء ولايتها دون تمديد.
وفي أعقاب ذلك، جاء الموقف المغربي واضحا من خلال بلاغ الديوان الملكي، الذي اعتبر عدم تمديد مهمة المينورسو خطوة مهمة نحو طي ملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، معلنا ضرورة إنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة.
في المقابل، احتفت أوساط البوليساريو والشعب الصحراوي في مخيمات تندوف بالفيتو الروسي، باعتباره إفشالا للمشروع الأمريكي. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مشهدين متناقضين، حيث احتفالات في المغرب باعتبار ما حدث تحولا في مسار القضية الوطنية، واحتفالات في المخيمات باعتبار الموقف الروسي مكسبا سياسيا. لكن خلف هذه الصور الاحتفالية هناك واقع أكثر تعقيدا وخطورة، لا ينبغي أن تغيب عنه أنظار شعوب المنطقة.
ما يحدث في الصحراء لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. فالولايات المتحدة وروسيا لا تتحركان في فراغ، والمغرب والجزائر ليسا خارج حسابات التنافس الدولي، كما أن الحضور الإسرائيلي المتنامي في شمال إفريقيا يضيف بعدا جديدا إلى المعادلة الأمنية والاستراتيجية.
واشنطن تدعم المقاربة المغربية وتعمل على تعزيز موقع الرباط باعتبارها حليفا استراتيجيا في المنطقة، بينما تحرص موسكو على الاحتفاظ بعلاقاتها ونفوذها داخل الجزائر، وتتمسك بدور مؤثر في الملفات الإقليمية التي تتقاطع فيها مصالحها مع المصالح الأمريكية.
أما “إسرائيل”، فقد أصبحت في قلب التحكم والحكم في المغرب منذ استئناف العلاقات بين النظام المغربي والكيان الصهيوني، وهو تطور يندرج ضمن إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أمر بالغ الأهمية، لأن المنطقة لم تعد مجرد ساحة خلاف مغربي جزائري، بل أصبحت جزءا من شبكة متشابكة من الأطماع والمصالح والتحالفات والتنافس على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية.
وجب إذن الأخذ بعين الاعتبار أن تداخل المصالح الأمريكية والروسية والإسرائيلية في المنطقة، وتنافس هذه القوى على توجيه مسارات الأحداث، قد يفتح الباب أمام تحولات جيوسياسية خطيرة، تتحول فيها حسابات النفوذ إلى وقود لصراعات محلية وإقليمية، وتجد شعوب المنطقة نفسها في قلب تداعياتها، من دون أن تكون صاحبة القرار فيها.
فغياب التوافق على تمديد ولاية المينورسو يثير أسئلة جدية بشأن مستقبل مراقبة وقف إطلاق النار، وآليات التواصل بين الأطراف، والقدرة على احتواء الحوادث العسكرية قبل تحولها إلى مواجهات أوسع.
والمنطقة تعرف أصلا توترا ميدانيا منذ انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020، ما يجعل أي فراغ في آليات المراقبة والاحتواء أمرا يستوجب أقصى درجات الحذر.
إن الحرب لا تحتاج دائما إلى قرار معلن بإشعالها؛ فقد تبدأ بسوء تقدير أو حادث ميداني أو تصعيد إعلامي وسياسي، ثم تجد الأطراف نفسها أمام مسار يصعب التراجع عنه.
فمن سيستفيد إذا اشتعلت المنطقة؟ هذا السؤال يجب أن يكون حاضرا في وعي كل مواطن مغربي وصحراوي وجزائري وموريتاني، بل وفي وعي شعوب شمال إفريقيا والساحل بأكملها.
من سيستفيد من تحويل الحدود إلى جبهات توتر؟ ومن سيستفيد من توجيه الموارد نحو التسلح بدلا من التنمية؟ ومن سيستفيد من تعطيل المشاريع الاقتصادية والتجارية التي يمكن أن تحول المنطقة إلى فضاء للتكامل والازدهار؟
إن استمرار التوتر بين المغرب والجزائر، مهما كانت مبرراته السياسية، لا يخدم مستقبل شعوب المنطقة، كما أن أي مواجهة عسكرية لن تكون مجرد معركة بين جيوش، بل ستكون لها انعكاسات عميقة على الاقتصاد والأمن والاستقرار وفرص التنمية في المنطقة بأكملها.
وعلى المغاربة والجزائريين والصحراويين والموريتانيين، وعلى جميع شعوب المغرب الكبير، أن يدركوا أن ما يجري ليس مجرد سجال حول قرار أممي أو بعثة دولية، بل تحولات قد تكون لها انعكاسات على مستقبل أجيال كاملة.
لا ينبغي أن تقود الاحتفالات إلى الغفلة عن المخاطر، ولا أن تتحول الخلافات السياسية إلى عداء بين الشعوب، ولا أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي مجالا لتغذية الكراهية والتحريض والتعبئة للحرب.
إن ما تكشفه هذه التطورات يتجاوز حدود الخلاف حول مستقبل المينورسو أو مآلات النزاع في الصحراء. نحن أمام نظام دولي يزداد خضوعا لمنطق القوة، حيث تُستحضر الشرعية الدولية حين تخدم مصالح القوى النافذة، ويجري الالتفاف عليها حين تتعارض مع حساباتها. وفي ظل هذا المنطق، تتحول القضايا الإقليمية إلى أوراق ضغط، وتُختزل حقوق الشعوب في تفاهمات ومساومات بين العواصم الكبرى.
وفي شمال إفريقيا، لا يمكن فصل ما يجري عن واقع إقليمي مثقل بالتوترات، وعن تنافس دولي على النفوذ والمواقع الاستراتيجية والثروات. والخشية أن تتحول الخلافات القائمة إلى مدخل لمزيد من الاستقطاب والتسلح، وأن تجد شعوب المنطقة نفسها مرة أخرى أمام كلفة صراعات لم تصنع قراراتها، ولم تكن مصالحها الاجتماعية والاقتصادية وحقوقها الديمقراطية في صلب حسابات من يديرونها.
إن الموقف الذي ينبغي التشبث به هو رفض الحرب ورفض إخضاع مصير المنطقة لمنطق المحاور، والتمسك بحقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير والعيش في الأمن والكرامة، بعيدا عن الإملاءات والصفقات والتدخلات التي تجعل من المنطقة مجالا لتصفية الحسابات الدولية.
فشمال إفريقيا ليس ساحة نفوذ لأحد، وشعوبه ليست احتياطيا بشريا لحروب الآخرين، ولا يجوز أن يكون مستقبلها رهينة صراع القوى الكبرى على حساب حقها في تقرير مصيرها وبناء فضاء إقليمي قوامه التعاون والتضامن والتنمية.
