الحسيمة/ الريف
في الريف، لم تعد المخدرات الصلبة مجرد ظاهرة عابرة أو سلوك منحرف محدود، بل تحولت إلى واقع ثقيل يزحف على تفاصيل الحياة اليومية، ويهدد بنسف ما تبقى من نسيج اجتماعي هش. مدن وقرى وجبال وسهول ووديان المنطقة لم تعد فقط فضاءات للعيش، بل صارت مسرحا مفتوحا لنشاط شبكات منظمة، تتصرف بمنطق الكارتيلات، وتفرض سطوتها على فئات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب.
والمخيف في الأمر أن دائرة الضحايا تتسع بشكل متسارع ومقلق، حيث فتيات قاصرات وتلميذات في عمر البراءة، يتم استدراجهن إلى عوالم الإدمان، وشباب في مقتبل العمر يُدفعون نحو الهاوية، أمام أنظار أعوان السلطة والأجهزة الأمنية، في ظل غياب سياسات فعالة للحماية والوقاية. وما يحدث ليس مجرد انحراف فردي، بل انهيار ممنهج ومدروس لمنظومة الحماية الاجتماعية.
في المقابل، تتزايد التساؤلات حول دور الأجهزة الأمنية، وبالخصوص جهاز الدرك الملكي، وسط معطيات تفيد بوجود تساهل، أو غض الطرف، أو حتى التورط المباشر وغير المباشر في تسهيل انتشار وبيع هذه السموم.
وخلال السنوات الأخيرة، فقد الريف جزءا مهما من شبابه نتيجة التهجير الواسع الممنهج نحو أوروبا، بحثا عن فرص العيش أو هربا من انسداد الأفق. وهذا النزيف الديمغرافي خلق فراغا عميقا داخل القرى والمدن الصغيرة، فراغا لم يُقابل بسياسات تنموية ووقائية كافية، بل تُرك ليتحول إلى أرضية هشة قابلة للاختراق من شبكات الإجرام والاتجار بالمخدرات.
كما تفيد معطيات حصلت عليها “صدى الحقيقة”، مدعومة بشهادات متقاطعة من داخل المنطقة، بوجود شبهات قوية حول تورط عناصر من أجهزة أمنية، من بينها عناصر من الدرك الملكي والشرطة، في تسهيل انتشار هذه السموم، سواء عبر التغاضي أو من خلال الاستفادة من عائداتها مقابل السماح باستمرار هذا النشاط. هذه المعطيات، وإن كانت خطيرة، تضع علامات استفهام ثقيلة حول حقيقة ما يجري في الخفاء.
سياسيًا، تذهب جل القراءات إلى اعتبار ما يحدث جزءا من نمط ممنهج من تدبير العلاقة بين الدولة والمجال الريفي، حيث يُنظر إلى تفشي الإدمان باعتباره نتيجة مباشرة لغياب التنمية العادلة، وترك المجال مفتوحا أمام اقتصاد العصابات المحمية من الأجهزة الأمنية. واستغلال هذا الوضع في إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي الثقافي وإضعاف الروابط التقليدية داخل المنطقة.
فهل نحن أمام فشل في السياسات العمومية؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليصل إلى مستوى أخطر من التواطؤ الرسمي الممنهج؟
مهما كانت الإجابة، فإن الواقع لا يحتمل المزيد من الصمت. لأن ما يجري في الريف يستدعي تحقيقا شفافا، ومساءلة حقيقية، واستراتيجية عاجلة تعيد الاعتبار للريف قبل أي شيء آخر. لأن ترك المنطقة فريسة للإدمان والعصابات ليس مجرد تقصير، بل كارثة تتطلب وقفة حازمة قبل فوات الأوان.
إن خطورة الوضع لا تكمن فقط في انتشار المخدرات، بل في تداخل أبعادها الاجتماعية والسياسية، حيث يتحول الإدمان إلى عامل تفكيك بطيء للبنية المجتمعية، وإلى تهديد مباشر لمستقبل جيل كامل. وهو ما يجعل من استمرار الوضع الحالي سؤالا مفتوحا حول سياسة الدولة المغربية في المنطقة، وحول قدرة هذه الدولة على حماية شبابها في الهوامش الأكثر هشاشة.
