- نضال ناصر
منذ اللحظات الأولى لنشر “مذكرة التفاهم” بين أمريكا وإيران، أثارت الأخيرةُ استغراب المراقبين واندهاشهم، حيثُ وُصف ما جاء فيها بأنه بمثابة “إعلان استسلام أمريكا”، فكان الجميع يتساءل: منذ متى تستسلم أمريكا بهذه السهولة؟
ورغم نجاح إيران في إيذاء الوجود الأمريكي في المنطقة واستعمال مضيق هرمز كورقة ضغط، بالإضافة إلى استثارة الحس القومي داخل المجتمع الإيراني وبالتالي إنهاء فرصة ضرب النظام الإسلامي من الداخل (أقله في المدى القصير)، إلّا أنّه كان من المبكر جدا الحديث عن استسلام شامل من جهة أمريكا.
جاء بيان القائد الثالث للثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي ليؤكّد على قراءة “التيار المتشدد” في إيران لمذكرة التفاهم بوصفها “تراجعا تكتيكيا” يستهدفُ إشغال تيار الاطلاعات (الإصلاحيين الإيرانيين) بتثبيت هذه المذكرة (حيث يميلون في الرؤية الاستراتيجية أساسا إلى التفاهم مع أمريكا لا التصادم معها) بينما ستقوم أمريكا بخلق أدوات جديدة لمواجهة إيران مجددا.
أثبتت إيران أنها دولة قوية تستطيع الدفاع عن نفسها، وتمتلك نظاما سياسيا واجتماعيا متماسكا. في المقابل، أثبتت “أذرع إيران”، وخاصة “ذراعها” الأقوى حزب الله، أنّهم محاصرون سياسيا داخل بلدانهم، ناهيك عن الإطباق الأمني الشامل من قبل أمريكا وإسرائيل وحلفائهما الإقليميين.
بناءً عليه، تحاول أمريكا أن تغيّر نمط مواجهة إيران من ضربها عسكريا إلى مواجهة عمقها الإقليمي الذي شكّل عبئا على أمريكا وإسرائيل خلال الجولة الأولى، وخاصة حزب الله الذي تولّى عن إيران مهمة إيلام إسرائيل (تقول التقارير إن ٣٠٪ فقط من الصواريخ التي أطلقتها إيران خلال الحرب الأخيرة كانت موجهة ضد إسرائيل).
إذاً، تقوم أمريكا بحشد حلفائها في المنطقة لمواجهة “أذرع إيران”، كلٌّ حسب عدوّه؛ التكفيريون ضدّ حزب الله في لبنان، السعودية والإخوان (حزب الإصلاح) ضد الحوثيين في اليمن، السعودية والأردن ضد الفصائل العراقية (إذا لزم الأمر).
في المقابل، يستند التيار المتشدد في إيران إلى نظرية مواجهة من نمط مختلف، تقوم على ضرورة استكمال الحرب حتى النهاية، وعلى إنهاء الحياة السياسية لترامب ونتنياهو.
يعتقد التيار المتشدد أو “تيار الحرس الثوري” أن لا طائل من توقيع اتفاق مع ترامب لعدّة أسباب، أبرزها أنّه أساسًا لا يحترم الاتفاقيات والقانون الدولي. فقد يُبرم اتفاقا مع إيران ثم يعود للعدوان عليها بعد الانتخابات النصفية القادمة. لذلك، يفضّل هذا التيار استكمال الحرب حتى القضاء على كامل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. أما تيار الإصلاحيين أو الاطلاعات (قاليباف، عراقجي، بزشكيان) فيفضّل الشراكة مع أمريكا. من هنا، يقوم ترامب بـ”إغراء” هذا التيار بمذكرات تفاهم تعطي الكثير لإيران من أجل أن يقوم هذا التيار الأخير (الذي يمثّل مؤسسات الدولة العميقة في إيران) بتعطيل نظرية تيار الحرس الثوري بضرورة استكمال الحرب حتى إنهاء الوجود العسكري لأمريكا في المنطقة.
سياسياً، يسعى تيار الحرس الثوري إلى إنهاء الحياة السياسية لترامب ونتنياهو، كما أنهى الإمام الخميني حياةَ الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر عام ١٩٧٩. عندها، ورغم إنجاز اتفاق تسليم الرهائن الأمريكيين، لم تقم إيران بتسليم الرهائن حتى التأكد من هزيمة كارتر أمام رونالد ريجان (كان كارتر قد حاول استعادة الرهائن من خلال عملية عسكرية أراد منها صناعة انتصار لتسويقه انتخابيا، لكنها انتهت بالفشل بسبب عاصفة جوية). أما ترامب فهو لا يريد من إيران حاليا سوى شيء واحد فقط: إنهاء البرنامج النووي ليروّج داخل أمريكا أنه خلّص البشرية من امتلاك دولة شريرة للسلاح النووي. لكنه سيعود بعد فوزه بالانتخابات النصفية للعدوان على إيران بالتحالف مع السعودية والأردن وتركيا وسوريا التي ستقوم بتجهيز البيئة العملياتية حتى ذلك الحين. إن فوز ترامب بالانتخابات النصفية ضروري جداً، لأن خسارته ستؤدي إلى عرقلة برنامجه من خلال مجلسي الشيوخ والنواب اللذين لم يعرقلا عمله في إيران منذ بدء العدوان عليها.
