- عماد العتابي
من أكثر الأوصاف التي التصقت بالنبي محمد وصفه في القرآن بأنه «النبي الأمي». وعلى مدى قرون، شاع تفسير كلمة «الأمي» بأنها تعني أن النبي لم يكن يعرف القراءة والكتابة. غير أن هذا التفسير، رغم شهرته ليس التفسير الوحيد الذي عرفه التراث الإسلامي، بل إن في الروايات المنقولة عن أهل البيت ما يدفع إلى إعادة النظر في هذه المسألة.
والقول إن النبي لم يكن أميا، بمعنى أنه كان يعرف القراءة والكتابة، لا يعني بأي شكل من الأشكال الانتقاص من مكانته أو التشكيك في مصدر القرآن. على العكس، يمكن النظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تماما، فالنبي الذي جاء بالقرآن وعلّم الناس الكتاب والحكمة وقاد مجتمعًا بأكمله، لا يلزم أن يكون عاجزا عن القراءة والكتابة حتى تثبت نبوته.
بل إن بعض الروايات الشيعية تقدم نصا بالغ الوضوح في هذا الموضوع، إذ نُقل عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «إن النبي صلى الله عليه وآله كان يقرأ ويكتب، ويقرأ ما لم يكتب». والعبارة هنا لا تحتاج إلى كثير من التأويل في ظاهرها؛ فهي تنسب إلى الإمام الصادق القول بأن النبي كان يقرأ ويكتب.
ولا تقف المسألة عند هذه الرواية. فقد وردت روايات أخرى في التراث الشيعي تفسر كلمة «الأمي» تفسيرا مختلفا عن «الذي لا يقرأ ولا يكتب». ففي رواية عن الإمام محمد الجواد عليه السلام، يربط وصف النبي بالأمي بأهل مكة، باعتبار أن مكة هي «أم القرى». ووفق هذا الفهم، فإن «الأمي» يمكن أن تكون نسبة إلى المكان، لا وصفا للأمية بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة.
وهنا تظهر نقطة تستحق التوقف؛ فلماذا نفترض أن كلمة «الأمي» تعني بالضرورة عدم القدرة على القراءة والكتابة؟ والقرآن نفسه يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فالآية تتحدث عن «الأميين» في مقابل النبي الذي جاء ليعلّمهم الكتاب والحكمة. ومن هنا يصبح من المشروع لغويا وتفسيريا أن نسأل، هل «الأمي» وصف لحالة تعليمية، أم نسبة إلى قوم أو مكان، أم أن الكلمة تحتمل أكثر من معنى؟
كما أن الاستدلال بأن النبي لم يكن يعرف القراءة والكتابة اعتمادا على بعض الروايات لا ينهي النقاش. فالتراث الروائي نفسه يحتوي على روايات أخرى تفيد بأنه كان يقرأ ويكتب، أو على الأقل كان يقرأ ما يُكتب. ولذلك فإن تقديم المسألة وكأن هناك إجماعا روائيا على أن النبي كان عاجزا عن القراءة والكتابة لا يعكس حقيقة تنوع الروايات.
وقد يقول قائل إذا كان النبي يعرف القراءة والكتابة، فلماذا وصفه القرآن بالأمي؟ والجواب أن المشكلة قد تكون في تفسير الكلمة لا في القرآن نفسه. فربط «الأمية» بالعجز عن القراءة والكتابة هو تفسير من جملة التفسيرات، وليس بالضرورة أن يكون هو المعنى الوحيد الذي أراده القرآن.
ثم إن هناك فرقا بين أن يكون الإنسان غير متعلم على يد بشر وبين أن يكون عاجزا عن القراءة والكتابة. حتى لو ثبت أن النبي لم يتلق تعليما مدرسيا أو لم يتعلم الكتابة قبل البعثة، فهذا لا يستلزم منطقيا أنه بقي عاجزا عنها بعد ذلك. ولذلك فإن استعمال كلمة «أمي» لإثبات أنه لم يكن يستطيع القراءة والكتابة طوال حياته يحتاج إلى دليل، وليس مجرد افتراض مبني على تفسير واحد للكلمة.
والأهم من ذلك أن القرآن لم يقدم «الأمية» باعتبارها نقصا أو عجزا. النبي هو الذي جاء بالكتاب، وتلاه على الناس، وعلّمهم الكتاب والحكمة. ولذلك فإن تحويل «الأمي» إلى معنى قريب من «غير المتعلم» قد يؤدي أحيانا إلى تحميل الكلمة معنى سلبيا لم يرد في النص القرآني بالضرورة.
ومن هنا، فإن الدفاع عن فكرة أن النبي لم يكن أميًا بالمعنى الشائع للكلمة ليس محاولة لتغيير القرآن، وإنما هو محاولة لفهم القرآن والروايات ضمن سياقها اللغوي والتاريخي. وإذا كانت لدينا رواية تنص صراحة على أن النبي «كان يقرأ ويكتب»، وروايات أخرى تفسر «الأمي» بأنه المنسوب إلى «أم القرى»، فإن من حق الباحث أن يأخذ هذه النصوص بجدية وألا يستبعدها فقط لأنها لا تتفق مع التفسير الشائع.
ومع ذلك، يجب أن نكون منصفين، غوجود هذه الروايات لا يعني أن جميع علماء الشيعة اتفقوا على أن النبي كان يكتب، فهناك روايات أخرى تفيد بأنه كان يقرأ ولا يكتب، وهناك علماء رجحوا هذا الاتجاه. لذلك فالموقف العلمي الأقوى ليس إنكار وجود الخلاف، وإنما القول إن التراث الإسلامي نفسه لا يسمح لنا بإغلاق باب النقاش حول معنى «الأمي» بتفسير واحد.
إن القضية في النهاية أكبر من سؤال بسيط حول القراءة والكتابة. إنها تتعلق بكيفية فهمنا لصورة النبي في القرآن. هل كان «الأمي» بمعنى الإنسان الذي لم يتلق تعليما بشريا، أم بمعنى المكي المنسوب إلى أم القرى، أم أن الكلمة تحمل دلالات متعددة؟
أما القول بأن النبي كان عاجزا عن القراءة والكتابة لمجرد أنه وصف بـ«الأمي»، فهو استنتاج يحتاج إلى أكثر من مجرد تكرار العبارة. فحين نجد في التراث روايات تنص على أنه «كان يقرأ ويكتب»، فإن أقل ما يمكن فعله هو أن نفتح باب البحث من جديد.
