- عماد العتابي
ملك إسبانيا ينحني أمام قبور شهداء «الهروب الكبير» إلى سبتة، ويبدي احترامه وأسفه لموتى مغاربة يرقدون في قبور مرقمة خارج وطنهم، بينما ملك المغرب يتنكر لهؤلاء الذين لم يجدوا في بلادهم ما يجعلهم يتمسكون بالبقاء فيها، فانتهى بهم المطاف جثامين في مقابر الغربة.
أيُّ نفاق أكبر من أن تتحول سبتة ومليلية إلى قضية سيادة وكرامة وطنية، بينما يُترك أبناء المغرب يموتون في طريق الهروب، ثم يُتركون بعد موتهم في قبور مرقمة خارج الوطن؟ بأي حق يُطالب باسترجاع الأرض من لا يستطيع استرجاع جثامين أبنائه؟ وأيُّ معنى للسيادة حين تعجز الدولة عن صون كرامة مواطنيها حتى بعد موتهم؟
إن النظام المغربي الذي يرفع شعار استرجاع سبتة ومليلية همسا مطالب بأن يواجه هذه الحقيقة، فأي قيمة لخطاب “السيادة” إذا كان أبناء البلد أنفسهم يفرّون منه بحثا عن حياة أفضل، وأي معنى للحديث عن الكرامة الوطنية إذا انتهى هؤلاء الشباب أرقاما في قبور الغربة بعيدا عن أسرهم ووطنهم.
هؤلاء لم يرحلوا بحثا عن سبتة ومليلية، بل بحثوا عن حياة لم يجدوها في بلدهم. وحين انتهت رحلتهم بالموت، لم تعد قضيتهم مجرد مأساة مهاجرين، بل أصبحت إدانة لدولة ونظام يدفع أبناءه إلى المخاطرة بحياتهم، ثم يترك عائلاتهم تواجه ألم الفقد وغموض المصير.
فما جدوى المطالبة بأرض لا يستحمل أن يعيش فيها هؤلاء، بينما يموت أبناء البلد وهم يحاولون مغادرته؟ وما جدوى التلويح بالسيادة إذا كان المواطن المغربي لا يجد في وطنه ما يحمي كرامته، ولا يجد بعد موته من يتكفل بإنصافه واستعادة جثمانه؟
إن انحناءة ملك إسبانيا أمام تلك القبور التي تحمل في بطنها جثامين عشرات المغاربة الذين ماتوا خلال الهروب الكبير إلى سبتة، في الوقت الذي يتنكر فيه لهم النظام المغربي، يلخص حجم الإهانة التي يتعرض لها هؤلاء حتى بعد موتهم. حيث لا يزال المغرب عاجزا عن استعادة جثامين أبنائه ودفنهم في وطنهم، لتبقى قبورهم المرقمة شاهدا على تخلي الدولة عنهم حتى وهم أموات.
من يتنكر لأبنائه لا يحق له أن يتاجر بكرامتهم باسم الوطن، ومن يجعل استرجاع الأرض أولوية، عليه أن يثبت أن استعادة كرامة الإنسان المغربي ليست آخر اهتماماته.
سبتة ومليلية لن تصبحا أقل مغربية بسبب هذه المأساة، لكن الخطاب الذي يطالب باستعادتهما يصبح موضع مساءلة حين لا يقترن بموقف واضح من مصير أبناء المغرب الذين ماتوا في طريق الهروب. فالوطنية ليست مجرد شعارات عن الأرض، بل مسؤولية تجاه الإنسان الذي يُفترض أن تكون تلك الأرض وطنه.
وإذا كان المغرب يطالب باسترجاع سبتة ومليلية، فمن حق المغاربة أن يطالبوه أولا باستعادة جثامين أبنائهم وكشف مصيرهم، وإنصاف عائلاتهم. فالبلد الذي يترك أبناءه أرقاما في قبور الغربة، لا يمكنه أن يجعل السيادة ذريعة للهروب من مسؤوليته تجاههم.
