- محمد أشهبار
أثار ظهور الكومسير عرشان من داخل المؤسسة التشريعية وهو يلقي كلمته، الكثير من ردود فعل، منها سياسية حقوقية. بل أثار هذا الظهور اهتماما كبيرا وأخذ حيزا أكبر من النقاش العمومي، وغطى حتى عن مناقشة البرنامج الحكومي. يمكن اختصار هذه الردود في استنكار، استهجان، إدانة، وأقصى الردود هي الدعوة إلى مناظرة تليفزيونية لمواجهته بجرائمه. في اعتقادي، تبقى ردود فعل سطحية، لم ترق إلى مستوى طرح السؤال المزعج. لماذا وصل هذا الجلاد لهذا المكان؟ كيف وصل؟ من أوصله؟
قد يبدو هذا السؤال وهذه المقارنة التي طرحتها في عنوان هذا المقال في غير محلها، خاصة وأن هناك شبه إجماع على أن الكوميسير عرشان كان جلادا، ومقارنته بالوزراء هو إقحام تعسفي. طبعا، قد يفهم الأمر كذلك إذا أخذنا الأمور ببساطة، لكن عندما يحضر السؤال الفلسفي المزعج، تختفي هذه السطحية وتبدو المقارنة سليمة لا يشوبها أي نقص.
دعونا في البداية أن نزيل غطاء البساطة عن تعريف الجلاد، دعونا ننقي هذا التعريف المطلي بالصابون الذي لا يليق بيه حتى لا ينزلق من يدي أو شفاه البعض. وللقيام بهذه المهمة، لا بد من نقف عن مفهوم العنف وأشكاله.
عندما نسمع العنف، أول ما يتبادر إلى الذهن هو العنف المادي المباشر عبر إيذاء ذات الغير بشكل مباشر بدون حق، يسمى أيضا بالعنف الجسدي، هذا ما كان يقوم به الكوميسير عرشان، حسب العديد من الشهادات لعدد من الضحايا. كان هذا الشخص يمارس ساديته لتعذيب المعتقلين موظفا الآلات وأدوات لإيذاء الآخر بطريقة مباشرة، لهذا لقب بالجلاد.
في المقابل نجد هناك عنف رمزي لفظي ولغوي، وهو ما يحدث مثلا في البرلمان المغربي، من خلال مداخلات لبعض النواب والوزراء، التي تفتقد إلى اللبقة والمصداقية، أغلبها مزايدات سياساوية تسعى إلى محاولة تكييف المتلقي والرأي العام الوطني لتقبل العنف الاقتصادي/المالي الذي اعتبره أخطر بكثير من العنف الجسدي. لماذا؟ بكل بساطة، ممارسة العنف الاقتصادي على الشعب هو ما سينتج لنا العنف الجسدي أو الجلاد.
عندما تعنف الحكومة الشعب اقتصاديا، اجتماعيا وسياسيا، عبر ضرب القدرة الشرائية للمواطن، انسداد الأفق في صفوف الشباب، الهدر المدرسي (نتيجة للأوضاع الاجتماعية المزرية)، ارتفاع نسبة البطالة، ارتفاع نسبة الطلاق، انتشار الجريمة والمخدرات. وأمام هذا العنف، تبدأ بعض الإطارات الحقوقية تدق ناقوس الخطر، وتضطر إلى رد فعلي احتجاجي ميداني أو عبر ندوات للتنديد بالأوضاع، يأتي بعد ذلك دور الجلاد لممارسة مهمته، عبر قمع هذه الحركات والتنظيمات، وهذا ما وقع بالضبط مع الكوميسير عرشان الذي مارس العنف المادي المباشر بعد ما مارست الحكومة العنف الاقتصادي والمالي. إذن فهو تحصيل حاصل.
عودة عرشان إلى النقاش العمومي، لم يكن صدفة، للإشارة فقط فهو كان “فاعلا سياسيا” وأسس حزبا سياسيا سنة 1996 ونال مقاعد مهمة في الانتخابات المقبلة. إذن، هو ليس جديدا عن المشهد السياسي، لكن الجديد هنا، وكما تابع ذلك الرأي العام، هو أن يطل علينا من على قبة البرلمان، رغم أن الشخص تم إدانته شعبيا وحقوقيا، لكن العدالة والقوانين المنظمة للعملية الانتخابية وشحته بمقعد داخل مؤسسة تشريعية.
الإشكال هنا ليس في شخص عرشان، بل في من هيئ له ليرجع دون محاسبة وهذا عنف في حد ذاته. لماذا لم يتدخل وزير العدل وهو الذي يعتبر حزبه استمرارية لتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة؟ كل ما في استطاعة هذا الوزير المتعجرف غير اللابق، الذي مارس كل أشكال الجلد اللفظي في حق المغاربة، هو اختفاءه عن أخذ الصور أثناء استقبال عرشان في مقر حزب البام قبيل التشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة بقيادة حزب البام الذي ظل طوال نشأته غير الطبيعية الطفل المدلل الذي تعلم الجلد الرمزي، والآن، أصبح عمره 18 سنة، حزبا “راشدا” بدون حسن سيرة وبسوابق، مهيئ ليقود عنف على الشعب المغربي.
خلل عودة عرشان، هو خلل في العدالة وفي ربط المسؤولية بالمحاسبة وفي منظومة بأكملها تكرم جلاديها، كما كرمت الجلاد المالي للمغاربة الذي اعترف بعظمة لسانه أنه أهدر 280 مليار درهم من ميزانية الدولة. عوض فتح تحقيق معه وتقديمه للعدالة، تم تكريمه وإعادته إلى موقعه! تواجد هذا الشخص في الحكومة أكثر من تواجد الوزيرة المقالة ماديحة خيير، على الأقل أن هذه الأخيرة لم تتورط في تبديد المال العام وقضيتها كانت خارج منصب رسمي.
كما تم تكريم جلاد أهدر من ميزانية الدولة 50 مليون درهم في قضية باتت معروفة “بالسيارة العجيبة”، كما تم تكريم جلاد آخر لميزانية الدولة وتعيينه على رأس وزارة التعليم التي تعتبر العمود الفقري لتطور المجتمع والدولة. هذا الوزير سبق وأن خان الأمانة العامة وتمت إقالته من طرف الملك. تعيينه في هذا المنصب سيجعل منه جلادا لجيل بأكمله من الأطفال، سيفكر يوما في هجرة جماعية. الغريب في الأمر أن نقابات التعليم عوض أن تندد بهذا التعيين هرولت إلى لقائه حتى قبل أن تحظى الحكومة بثقة البرلمان.
العنف المالي/الاقتصادي هو من أنتج لنا الجلاد المادي، لا يمكن مواجهته إلا عبر إعادة النظر في تعريف الجلاد وتعريف جرائمه. إذا كنا هناك إجماع على أن الكوميسير عرشان كان جلادا، فلابد من أن تتسع رقعة استحضار الجلادين الآخرين حتى نكون منصفين في الدفاع عن الضحايا.
