- عماد العتايي
أيّ قلبٍ هذا الذي يستطيع أن ينام مرتاحا، وابنته القاصر تنام خلف أبواب مركز إيواء في سبتة؟ أيّ أم تستطيع أن تغمض عينيها وهي تعرف أن طفلتها، التي كانت بالأمس تحت سقف بيتها، أصبحت اليوم في بلد آخر، بين غرباء، بعيدًا عن عينيها ويديها وحمايتها؟ وأيّ أب يستطيع أن يواصل حياته بشكل طبيعي، بينما ابنته الصغيرة تواجه وحدها عالما لا تعرفه، ولا يعرف هو ما الذي قد تتعرض له فيه؟
ما يحدث ليس مجرد قصة هجرة، إنها مأساة أطفال. نحن أمام قاصرات يفترض أن يكنّ في مدارسهن، في غرفهن وبين أسرهن، لا في مراكز إيواء خارج وطنهن. أطفال يفترض أن يكون أكبر همّهم امتحان أو لعبة أو حلم صغير، فإذا بهم يحملون فوق أعمارهم الخوف والوحدة والغربة. والسؤال الذي يجب أن يقال بصوت عال، مهما كان مؤلما؛ أي دولة هذه التي تسمح بأن يضيع أطفالها بعيدا عن أعينها ثم تكتفي بالمشاهدة؟ وأي مجتمع نحن إذا أصبحنا نتعامل مع خروج أطفالنا من الوطن وكأنه أمر عادي؟
الفقر ليس جريمة واليأس ليس جريمة والحلم بحياة أفضل ليس جريمة. لكن ترك الأطفال لمصير مجهول ليس حلا، وتحويل القاصر إلى وسيلة للهروب من البؤس ليس إنقاذا له. لا تقولوا لنا إن هناك قوانين واتفاقيات وملفات وإجراءات. فالطفل لا يفهم لغة الملفات. الطفل يحتاج إلى أمان. ولا تقولوا إن مراكز الإيواء توفر له سريرا وطعاما. الطفل يحتاج إلى أمه وأبيه، إلى عائلته، إلى من يعرفه ويخاف عليه ويحميه.
ومن المؤلم أن نسأل أين الدولة؟ والأكثر إيلاما أن نسأل أيضا أين الآباء والأمهات؟ فكيف يمكن أن يصل الأمر ببعض الأسر إلى أن يصبح غياب ابنتهم القاصر عن البيت أمرا يمكن التعايش معه؟ كيف يأكلون؟ كيف يشربون؟ كيف ينامون؟ كيف يضحكون؟ كيف تمر ليلة واحدة دون أن يتخيلوا طفلتهم وحيدة في مكان بعيد؟
الأطفال ليسوا تذاكر عبور إلى أوروبا، وليسوا مشاريع إقامة، وليسوا أوراقا تُقامر بها الأسر في لعبة لا تعرف نهايتها. ومن يتاجر بأحلام الفقراء، ويقنعهم بأن إرسال أبنائهم القاصرين هو الطريق إلى المستقبل، لا يرسلهم إلى النجاة بل يدفعهم نحو المجهول. لهذا يجب أن يتوقف هذا العبث.
على الدولة أن تتحرك بكل مسؤولية. وعلى الأسر أن تتحمل مسؤوليتها. وعلى كل من يستطيع التدخل أن يفعل شيئا بدل الاكتفاء بالكلام. لا نريد أطفالا مغاربة في مراكز إيواء خارج وطنهم. نريدهم آمنين مصانين وبين أهلهم، ما دام ذلك يحقق مصلحتهم ويحميهم. فما قيمة الوطن إذا عجز عن حماية أطفاله؟ وما قيمة الأسرة إذا أصبح طفلها في خطر ولم تتحرك لاستعادته؟
وما قيمة كل خطبنا عن التضامن والنخوة والكرامة إذا كنا نرى بناتنا يغتصبن في الملاجئ ثم نعتاد المشهد؟ تخيلوا للحظة فقط أن ابنتكم ذات العشر أو الإحدى عشرة سنة هي الموجودة هناك. تخيلوا أنها ابنتكم. ثم اسألوا أنفسكم بصدق، هل ستنامون تلك الليلة؟ هل ستستطيع الأم أن تغمض عينيها؟ هل سيستطيع الأب أن يضع هاتفه جانبا وينام؟ إذا كانت الإجابة لا، فلماذا نقبل أن يحدث ذلك لابنة أسرة أخرى؟
الأطفال لا يملكون قرارا ناضجا عن مستقبلهم، ولذلك تقع مسؤولية حمايتهم على الكبار.
