تقرير – الجزائر
تحولت أجزاء واسعة من شمال وشرق الجزائر، منذ الأربعاء 26 غشت، إلى مسرح لحرائق غابات متزامنة وواسعة، أجبرت مئات العائلات على مغادرة منازلها، وأوقعت شهداء وجرحى، بينما واصلت فرق الحماية المدنية والجهات المختصة عمليات مكافحة النيران التي امتدت إلى مناطق سكنية وغطاء نباتي وأراضٍ زراعية.
وبحسب آخر حصيلة رسمية معلنة، ارتفع عدد ضحايا الحرائق إلى أكثر من 12 وفاة و54 إصابة، فيما سُجلت الوفيات في ولايات جيجل وبجاية وتيزي وزو. وقالت السلطات إن بعض المصابين تعرضوا لحروق واختناقات جراء الدخان، بينهم حالات وصفت بالخطيرة.
جيجل وبجاية وتيزي وزو في قلب الكارثة
كانت ولايات جيجل وبجاية وتيزي وزو من أكثر المناطق تضررا بالموجة الجديدة من الحرائق. وفي جيجل، دفعت شدة النيران إلى إجلاء سكان من مناطق مهددة، فيما امتدت ألسنة اللهب في بعض المواقع إلى محيط المناطق السكنية.
وفي بجاية، إحدى المناطق الأكثر تعرضًا لحرائق الغابات في الجزائر، واجهت فرق الإطفاء ظروفًا صعبة بسبب اتساع رقعة النيران وارتفاع درجات الحرارة. كما سجلت تيزي وزو سقوط ثلاثة ضحايا.
وتكشف طبيعة المناطق المتضررة عن حجم التحدي الذي تواجهه فرق الإطفاء؛ فالغابات والمرتفعات والقرى المتناثرة تجعل الوصول إلى بعض البؤر المشتعلة أكثر صعوبة، بينما يمكن للرياح والحرارة المرتفعة أن تساعد على سرعة انتشار النيران.
أكثر من مئة حريق خلال فترة قصيرة
لم تكن الكارثة حريقا واحدا، بل موجة واسعة من الحرائق المتزامنة. فقد أعلنت الحماية المدنية تسجيل أعداد كبيرة من حرائق الغطاء النباتي خلال فترة زمنية قصيرة، مع استمرار عمليات الإخماد والإجلاء.
وفي أحدث حصيلة منشورة، قالت الحماية المدنية إنها تمكنت خلال 24 ساعة من إخماد 88 حريقا من أصل 110 حرائق مسجلة في عدة ولايات.
وكانت السلطات قد أعلنت في وقت سابق تسجيل 154 حريقا خلال يوم واحد في مختلف أنحاء البلاد، في وقت كانت فيه الجزائر تواجه موجة حر شديدة.
موجة حر وجفاف.. عوامل زادت من خطورة الوضع
جاءت الحرائق في ظل موجة من درجات الحرارة المرتفعة التي ضربت شمال إفريقيا، الأمر الذي أدى إلى زيادة جفاف الغطاء النباتي وتحويل مساحات واسعة إلى وقود سريع الاشتعال.
ولا يعني ذلك أن الظروف المناخية وحدها تفسر اندلاع كل حريق، إذ تبقى أسباب الحرائق الفردية بحاجة إلى تحقيقات رسمية لتحديد ما إذا كانت طبيعية أو ناجمة عن نشاط بشري أو إهمال أو عوامل أخرى.
لكن الخبراء لطالما حذروا من أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف المرتبطة بتغير المناخ يمكن أن يزيدا من شدة مواسم الحرائق وطولها، خصوصًا في المناطق المتوسطية.
عمليات إجلاء ومواجهة على الأرض
مع اقتراب النيران من بعض التجمعات السكانية، تحولت الأولوية إلى حماية الأرواح وإبعاد السكان عن المناطق الخطرة.
وتواصل فرق الحماية المدنية والجهات المعنية عمليات الإخماد، مستخدمة فرقًا أرضية ووسائل تدخل مختلفة، فيما يعمل السكان في بعض المناطق على مساعدة فرق الإنقاذ ومراقبة تقدم النيران.
وتتضاعف صعوبة المهمة ليلا وفي المناطق الجبلية والغابية، حيث يمكن أن تتغير اتجاهات النيران بسرعة، ما يجعل عمليات الإجلاء والتدخل سباقًا مع الوقت.
حداد وطني
أمام حجم الخسائر البشرية، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام، مع تنكيس الأعلام وإلغاء مظاهر الاحتفالات والمنافسات الرياضية الوطنية خلال فترة الحداد.
وشكل القرار تعبيرا رسميا عن حجم الفاجعة التي خلفتها الحرائق، في وقت بدأت فيه السلطات تقييم الأضرار التي لحقت بالمناطق السكنية والأراضي الزراعية والغابات.
أضرار لا تقاس بعدد الضحايا فقط
ولا تقتصر آثار الكارثة على الخسائر البشرية. فالحرائق تهدد كذلك الثروة الغابية والمحاصيل الزراعية ومصادر رزق السكان في المناطق الريفية، فضلا عن الأضرار التي يمكن أن تلحق بالمنازل وشبكات الكهرباء والطرق والبنية التحتية المحلية.
كما أن آثار الحرائق البيئية قد تستمر لسنوات، إذ يؤدي فقدان الغطاء النباتي إلى زيادة مخاطر انجراف التربة وتراجع التنوع الحيوي، فضلًا عن ارتفاع قابلية بعض المناطق للتعرض لحرائق جديدة خلال المواسم المقبلة.
أسئلة ما بعد إخماد النيران
وبينما تتركز الجهود حاليا على السيطرة على الحرائق وإنقاذ السكان، تبرز بعد انحسار النيران مجموعة من الأسئلة الصعبة: كيف اندلعت هذه الحرائق؟ وهل كانت هناك بؤر متزامنة؟ وهل كانت إجراءات الوقاية والاستجابة كافية؟ وهل تحتاج منظومة مكافحة حرائق الغابات إلى تعزيز أكبر في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتكرار مواسم الحرائق؟
وستكون الإجابة عن هذه الأسئلة جزءًا أساسيًا من مرحلة ما بعد الكارثة، ليس فقط لتحديد المسؤوليات إن وجدت، وإنما أيضًا لمنع تكرار المأساة.
الجزائر أمام اختبار جديد
تعيد حرائق غشت 2026 إلى الواجهة هشاشة المناطق الغابية الجزائرية أمام موجات الحر والجفاف. فالبلاد شهدت في السنوات الماضية حرائق مدمرة، ما يجعل الوقاية والإنذار المبكر وسرعة التدخل وإدارة الغابات عناصر حاسمة في تقليل الخسائر.
وفي الوقت الراهن، يبقى المشهد مفتوحا على تطورات جديدة، مع استمرار عمليات الإخماد في عدد من المناطق. وبينما تحاول فرق الحماية المدنية السيطرة على آخر بؤر النيران، تنتظر عائلات الضحايا نهاية المأساة، فيما تبدأ المناطق المتضررة رحلة طويلة لتضميد آثار واحدة من أصعب موجات الحرائق التي شهدتها الجزائر خلال هذا الصيف.
