تقرير – أمستردام
حذرت أجهزة الأمن والاستخبارات الهولندية من تنامي محاولات اليمين المتطرف في هولندا جعل أفكاره أكثر قبولا داخل المجتمع، عبر تقديمها بصورة أقل حدة والانخراط في النقاشات العامة والسياسية والإعلامية، في استراتيجية تقول السلطات إنها تهدف إلى نقل خطاب كان هامشياً إلى دائرة أوسع من الجمهور.
وفي تحليل مشترك نُشر الثلاثاء 22 سبتمبر 2026، قالت الوكالة العامة للاستخبارات والأمن الهولندية (AIVD) والمنسق الوطني لمكافحة الإرهاب والأمن (NCTV) إن جزءا من الحركة اليمينية المتطرفة يتبع بصورة واعية استراتيجية تقوم على “تطبيع” أفكاره، من خلال تقديم نسخ أكثر اعتدالا منها ظاهرياً، بحيث تبدو أكثر قبولا لدى قطاعات أوسع من المجتمع.
وبحسب التحليل، لا تقتصر هذه المحاولات على النشاط الإلكتروني، بل تمتد إلى وسائل الإعلام والمظاهرات والنقاشات السياسية، فيما يسعى بعض المتطرفين إلى التأثير في الأحزاب السياسية من الداخل أو إلى التقارب مع شخصيات وتيارات سياسية تتبنى مواقف متشددة في قضايا مثل الهجرة والهوية الوطنية. وتقول الأجهزة إن تكرار التعرض لهذه الأفكار قد يؤدي إلى تراجع المقاومة الاجتماعية تجاهها وزيادة تقبلها.
“إعادة الهجرة”… مصطلح ذو دلالة مختلفة
ومن أبرز الأمثلة التي يوردها التقرير مصطلح “Remigratie” أو “إعادة الهجرة”. وتشير السلطات الهولندية إلى أن المصطلح قد يبدو، في حد ذاته محايدا، لكنه يُستخدم داخل الخطاب اليميني المتطرف للدلالة على مشروع أوسع يقوم على إخراج أعداد كبيرة من الأشخاص ذوي أصول مهاجرة من أوروبا. وفي السياق الذي ترصده أجهزة الأمن، يمكن أن يعني ذلك الإبعاد القسري لمجموعات من السكان على أساس اعتبارهم غير منتمين إلى المجتمع الهولندي.
وكانت أجهزة الأمن قد تناولت هذا الاستخدام للمصطلح في تقارير سابقة. ففي تقرير AIVD السنوي لعام 2025، اعتبرت الوكالة أن “إعادة الهجرة” أصبحت مثالا على كيفية تقديم أفكار متطرفة بصيغة أكثر قبولا، مشيرة إلى أن الهدف الأوسع لدى بعض التيارات اليمينية المتطرفة يتمثل في إقامة دولة تقوم على أساس عرقي أبيض.
كما أشار تقرير سابق للـNCTV إلى أن مصطلح “إعادة الهجرة” يُستخدم أحيانا كصيغة مخففة لمشاريع ترحيل واسعة النطاق تستهدف أشخاصا على أساس العرق أو الدين أو التوجه الجنسي أو المواقف السياسية.
من الإنترنت إلى الشارع والسياسة
وترى الأجهزة الهولندية أن استراتيجية التطبيع لا تعتمد على وسيلة واحدة. فالخطاب المتطرف ينتقل عبر منصات التواصل الاجتماعي، والاحتجاجات في الشوارع، ووسائل الإعلام، والنقاشات السياسية.
وفي السنوات الأخيرة، رصدت NCTV حضورا لأشخاص يحملون أفكارا يمينية متطرفة في احتجاجات مرتبطة بالهجرة ومراكز طالبي اللجوء، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن المشاركين في هذه الاحتجاجات ليسوا جميعا من أصحاب الفكر المتطرف، وأن دوافع المتظاهرين تختلف من شخص إلى آخر.
وتحذر السلطات من أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الجماعات المتطرفة، وإنما في مدى انتشار بعض أفكارها ومصطلحاتها خارج دوائرها الأصلية. فكلما تكررت هذه المصطلحات في الفضاء العام، قد تصبح أكثر اعتياداً بالنسبة إلى الجمهور، وهو ما تصفه السلطات بعملية “التطبيع”.
بين التطرف والعنف
وتولي الأجهزة الأمنية اهتماما خاصا للصلة المحتملة بين تطبيع الخطاب المتطرف وخطر العنف. وتقول NCTV إن تطبيع الأفكار واللغة اليمينية المتطرفة قد يؤدي إلى تحريك الحدود التي يعتبرها المجتمع مقبولة، كما يمكن أن يمنح أشخاصا مستعدين للعنف شعوراً بأن أفكارهم أصبحت أكثر شرعية أو قبولا، بما قد يزيد احتمال انتقال بعضهم من الخطاب إلى الفعل.
لكن الأجهزة تميز في الوقت نفسه بين الحركة اليمينية المتطرفة الأوسع، التي لا تتبنى بالضرورة العنف، وبين دائرة أضيق من الأشخاص أو الشبكات التي قد تكون مستعدة لاستخدامه. وفي تقريرها السنوي لعام 2025، قالت AIVD إن التهديد يأتي من جانبين: انتشار الأفكار المتطرفة في المجتمع، واحتمال أن تصبح هذه الأفكار بالنسبة إلى بعض الأشخاص مبررا لاستخدام العنف.
وتشير NCTV في تقييمها الأحدث إلى أن هولندا لا تشهد حاليا تهديدا متزايدا شاملا من العنف الإرهابي اليميني المتطرف، رغم استمرار وجود مخاطر وحوادث مرتبطة بأفراد وشبكات متطرفة.
الأغلبية ترفض الفكر المتطرف.. لكن المخاوف تتعلق بزيادة القابلية
وبحسب التحليل المشترك، ما زالت غالبية المجتمع الهولندي ترفض الفكر اليميني المتطرف. إلا أن AIVD وNCTV تقولان إنهما تلاحظان زيادة في قابلية بعض الأشخاص للتأثر بهذا الخطاب، وهو ما تعتبره السلطات عاملاً قد يؤدي، إذا استمر، إلى اتساع مساحة انتشار الأفكار المتطرفة.
وتضع السلطات هذه التطورات في إطار أوسع يتعلق بحماية النظام الديمقراطي وسيادة القانون. فالفكر اليميني المتطرف، وفق تعريف AIVD، لا يرتبط فقط باستخدام العنف، بل يشمل أيضاً أهدافا أو أساليب يمكن أن تقوض النظام الديمقراطي، ومن بينها التمييز والتحريض والتهديد والترهيب.
تحذير من “الاعتياد” على الخطاب المتطرف
وتكمن الرسالة الأساسية للتحليل الهولندي الجديد في أن الخطر، وفق الأجهزة، لا يبدأ بالضرورة بعمل عنيف أو تنظيم متطرف واضح المعالم، وإنما قد يبدأ بعملية أكثر تدريجية مع تكرار المصطلحات والأفكار وإدخالها في النقاش العام، أو ظهورها في الاحتجاجات ووسائل الإعلام، ثم تحولها تدريجيا إلى لغة تبدو مألوفة.
وتقول AIVD وNCTV إن تعزيز قدرة المجتمع على التعرف إلى هذه الاستراتيجيات ومواجهة الخطاب المتطرف دون منحه منصة غير ضرورية يمثل جزءا من تعزيز قدرة المؤسسات والمجتمع على مقاومة التطرف. وتندرج هذه المقاربة ضمن الاستراتيجية الوطنية الهولندية لمكافحة التطرف 2024-2029.
وبذلك، لا يقتصر التحذير الأمني الهولندي الجديد على الجماعات التي تدعو صراحة إلى العنف، بل يركز أيضا على المساحة التي تسبق العنف وكيفية انتقال أفكار متطرفة من هامش المجتمع إلى النقاش العام، وكيف يمكن لتكرارها وتطبيعها أن يغير حدود ما يُنظر إليه باعتباره مقبولا أو عاديا.
