- إلياس المرابط
مقاربة تحليلية في ضوء معطيات 2026
يجسد الصراع المسلح المتصاعد في منطقة الخليج الفارسي خلال عام 2026 نموذجاً بالغ الدلالة على ما يمكن تسميته بـ ”أثر الاضطراب المنظومي” (L’effet de perturbation systémique)؛ أي قدرة الصراعات الإقليمية على إعادة رسم خرائط التوازن الاقتصادي لدول لا تشكّل طرفا مباشرا في النزاع. فالمغرب، رغم بُعده الجغرافي عن مسرح العمليات، يجد نفسه في قلب هذه المعادلة، إذ تتشابك مصالحه الطاقوية مع التزاماته التحالفية وضروراته التنموية الداخلية، في ظل هشاشة هيكلية معروفة في موازينه التجارية وموازنته العامة. فالجغرافيا، وإن وفرت حماية عسكرية مباشرة، فإنها لا تقف حائلا أمام تسرب التداعيات الاقتصادية العابرة للحدود.
وتعد الموازنة العامة للدولة المرآة الأمينة لقدرة أي نظام اقتصادي على استيعاب الصدمات الخارجية.
وقد جاءت الفرضيات الأساسية للموازنة المغربية لعام 2026 مستندة إلى سعر مرجعي للنفط يقدر بـ65 دولارا للبرميل، وهو رقم تجاوزته الوقائع الميدانية بشكل صارخ، إذ اقترب السعر الفعلي من 110 دولارات في أعقاب اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز. هذا الفارق ليس شأنا محاسبيا فحسب، بل يعيد تشكيل البنية الاقتصادية السياسية برمتها، ففي ظل نظام الأسعار المحررة، يؤدي أي ارتفاع دولي للنفط إلى انتقال فوري ومباشر للصدمة نحو جيب المستهلك. وهنا يبرز صانع القرار أمام معضلة كلاسيكية: فإما التدخل عبر آليات دعم استثنائية ومباشرة( كما حدث مع مهنيي النقل) أو خفض الرسوم الضريبية على المحروقات لامتصاص الغضب الشعبي وضمان الاستقرار الاجتماعي، وإما الحفاظ على الفضاء المالي للاستثمار العمومي وترك السوق لتقلباته؛ وهو خيار ينطوي في كلتا الحالتين على تكاليف سياسية باهظة، خاصة مع ما يسببه ذلك من تدهور في مؤشرات الحساب الجاري واضطرار للجوء إلى “خطوط الائتمان الدولية” لتعويض نقص السيولة الخارجية.
من جانب آخر، كشف الصراع عن هشاشة بنيوية في سلسلة القيمة لصناعة الأسمدة، رغم أن المغرب يتحكم في ما يزيد على 70% من احتياطيات الفوسفاط العالمية عبر مجموعة (OCP). فاستيراد مواد حيوية كالأمونيا وحمض الكبريت عبر مسالك بحرية قريبة من مناطق التوتر، رفع التكاليف بشكل حاد مقارنة بمعطيات عام 2025. إن تراجع هوامش الربحية في هذا القطاع لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل يضيق هامش المناورة في “الدبلوماسية الناعمة” للمملكة، ويضعف القدرة التفاوضية في ترسيخ الشراكات الإفريقية التي تعد ركيزة في المشروع التوسعي المغربي جنوب الصحراء.
ولا يمكن قراءة الأثر الاقتصادي للصراع بمعزل عن التموقع الوثيق للمغرب ضمن منظومة التحالفات الغربية والخليجية. فبينما تمنحه هذه التحالفات “مظلة أمان” دبلوماسية، إلا أن حالة الطوارئ الاقتصادية لدول الخليج قد تعيد ترتيب أولويات استثماراتها الخارجية، مما قد يبطئ ضخ الرساميل في المشاريع الكبرى بالمغرب. وقد رفعت هذه الأزمة من درجة الإلحاح السياسي لمشاريع السيادة الطاقوية، حيث انتقل مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب من دائرة الطموح الاستراتيجي إلى خانة الأولوية الوجودية. ويعكس هذا التحول مفهوما سياسيا معمّقا مفاده أن “الاستقلالية الطاقوية” لم تعد ترفا تنموياً، بل باتت شرطاً أصيلا لصون السيادة الوطنية في عالم مضطرب.
وعلى المستوى الداخلي، تشكل”شرعية الإنجاز” (Légitimité de performance) ركيزة حاكمة في استقرار الأنظمة السياسية في سياقات التحديث. وتمثل الأزمة الراهنة اختبارا جدياً لهذه الشرعية، حيث أدى ارتفاع تكاليف الشحن وضعف العملات الإفريقية إلى موجة من ”التضخم المستورد” (Inflation importée) ضربت في مقتل القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والعاملة. وهو تضخم ذو خاصية سياسية بامتياز، إذ يتحول سريعاً إلى مطالب شعبية تُنادي بإعادة النظر في أولويات الإنفاق العمومي وتوزيع الأعباء بصورة أكثر عدالة، مما يضع التماسك الاجتماعي على المحك أمام تقلبات لا تملك الدولة السيطرة على مسبباتها الخارجية.
إن السياق الراهن يفرض ما يمكن تسميته بـ ”لحظة الإكراه التحويلي”، وهي الأزمة التي تفرض على الدولة إعادة تموقعها هيكلياً عوضاً عن الاكتفاء بإدارة التداعيات الظرفية. إن قدرة المغرب على الموازنة بين التزاماته الدولية وتأمين جبهته الداخلية ستحدد ملامح استقراره في العقد القادم، فما يحدد حجم الاضطراب ليس فقط مدة الصراع، بل القدرة المؤسسية على توظيف الأزمة كرافعة لإصلاحات هيكلية طالما أجلت. وفي نهاية المطاف، تظل الأرقام لغة الحقيقة القاسية، حيث إن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط يترجم إلى فاتورة اجتماعية وسياسية قد تكلف معدل النمو المغربي الكثير، ما لم يتم تحويل هذا التهديد إلى فرصة لتعزيز السيادة الاقتصادية الشاملة.
