تقرير/
أعاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية والسياسية إثارة للجدل في المغرب، بعدما جدد افتخاره بقرار رفع الدعم عن المحروقات وتحرير أسعارها، معتبرا أن هذا الإجراء شكل منعطفا حاسما في تدبير المالية العمومية، بل وذهب إلى حد القول إنه يستحق عنه “جائزة نوبل”.
تصريحات بنكيران، التي جاءت خلال ندوة صحافية للحزب، حملت نبرة اعتزاز واضحة بقرار ظل لعقود من الزمن محاطا بحساسيات اجتماعية واقتصادية كبيرة، بالنظر إلى ارتباط أسعار الوقود بشكل مباشر بكلفة المعيشة وأسعار النقل والإنتاج والخدمات.
وبينما قدم رئيس الحكومة الأسبق القرار باعتباره عملية إنقاذ لمالية الدولة من استنزاف مليارات الدراهم عبر صندوق المقاصة، فإن ما يلفت الانتباه في خطابه هو إصراره المتواصل على تسويق تحرير المحروقات باعتباره أحد أبرز إنجازات تجربته الحكومية، رغم أن تداعيات هذا القرار على جيوب المواطنين لا تزال حاضرة بقوة في النقاش العمومي كلما عرفت أسعار الوقود ارتفاعات جديدة.
فقرار التحرير الذي تم تقديمه آنذاك كإصلاح هيكلي يروم تخفيف الضغط على ميزانية الدولة، نقل عمليا عبء تقلبات السوق الدولية إلى المستهلك بشكل مباشر، وربط أسعار الوقود في المحطات الوطنية بموجات الارتفاع والانخفاض في الأسواق العالمية، ما جعل الأسر والمقاولات تواجه انعكاسات فورية لأي اضطراب في أسعار الطاقة.
ويأتي تجديد بنكيران الدفاع عن هذا الخيار الاقتصادي في سياق يتسم باستمرار الجدل حول مآلات تحرير القطاع، خاصة مع توالي التقارير والدراسات التي تناولت تطور هوامش أرباح الفاعلين و”الفراقشية” في سوق المحروقات منذ إلغاء نظام الدعم، وما رافق ذلك من نقاشات حول المنافسة والأسعار وآليات الضبط والمراقبة.
وفي الوقت الذي يرى فيه بنكيران أن قراره جنب الدولة نزيفا ماليا ضخما وفتح المجال أمام توجيه موارد إضافية نحو الاستثمار والبرامج العمومية، فإن عودة هذا الملف إلى الواجهة تؤكد أن تحرير المحروقات لم يعد مجرد إجراء اقتصادي اتخذ قبل سنوات، بل تحول إلى محطة مفصلية ما تزال آثارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية حاضرة في الوعي الجماعي للمغاربة.
ويبقى لافتا أن بنكيران، وبعد مرور سنوات على مغادرته رئاسة الحكومة، لا يزال يعتبر هذا القرار/الجريمة من أبرز محطات مساره السياسي، ويستحضره كلما تعلق الأمر بتقييم حصيلة تجربته في تدبير الشأن العام، مؤكدا أن ما يعتبره إصلاحاً تاريخيا سيظل، في نظره، أحد أهم القرارات التي اتخذت في تاريخ المالية العمومية بالمغرب.
