تقرير – بلجيكا
في قضية تعيد فتح الجدل حول الحرية الدينية والتمييز ضد النساء المسلمات في أماكن العمل، وجدت المعلمة الريفية/البلجيكية خديجة أماجود نفسها أمام قرار يفقدها وظيفتها بعد رفضها التخلي عن حجابها أثناء ممارسة عملها داخل الفصل. المعلمة التي بدأت العمل في التعليم الإقليمي عام 2022، وحصلت على تثبيت نهائي في وظيفتها مطلع عام 2024، لم تكن تواجه اتهامات تتعلق بكفاءتها المهنية أو بطريقة تعاملها مع التلاميذ، وإنما أصبح حجابها هو محور النزاع مع مقاطعة فلاندرن الشرقية، في قضية تحولت تدريجيا من خلاف إداري إلى معركة قانونية وحقوقية حول حدود ما تسميه السلطات «حياد التعليم».
كانت أماجود تعمل في مدرسة للتعليم الخاص بمدينة أسينيدي، وكانت ترتدي الحجاب منذ بداية عملها في المؤسسة. وبحسب المعطيات الواردة في ملف القضية، لم يكن ارتداء الحجاب في بداية مسارها المهني سببا لمنعها من العمل، بل استمرت في أداء مهامها وحصلت لاحقا على التثبيت الوظيفي، وهو ما يعكس أنها لم تكن في وضع موظفة مؤقتة أو غير مؤهلة. لكن في عام 2023 أُبلغت بأن ارتداء الرموز الدينية، ومن بينها الحجاب، غير مسموح به لموظفي المقاطعة، فرفضت خلع حجابها، لتبدأ بحقها إجراءات تأديبية.
المفارقة أن الإجراءات التأديبية الأولى لم تنتهِ بإدانتها أو معاقبتها، إذ تبين أن القواعد التي استندت إليها المقاطعة في ذلك الوقت لم تكن تنطبق عليها بالشكل الذي يسمح بفرض العقوبة. وبناءً على ذلك، توقفت الإجراءات من دون اتخاذ عقوبة بحقها. وكان من الممكن أن تنتهي القضية عند هذا الحد، لكن المقاطعة اتخذت لاحقا خطوة غيّرت مسار النزاع بالكامل، عندما عدّلت نظام الموظفين لديها وأدخلت اعتبارامن الأول من سبتمبر 2024 حظرا صريحا على ارتداء الرموز الدينية والفلسفية الظاهرة بالنسبة إلى معلمي التعليم الإقليمي، مع استثناء معلمي المواد الدينية والفلسفية.
وبموجب القواعد الجديدة، أصبحت أماجود أمام خيار بالغ القسوة؛ إما التخلي عن الحجاب والاستمرار في مهنتها، أو التمسك به والمخاطرة بوظيفتها. وقد اختارت الخيار الثاني، مؤكدة أن ارتداء الحجاب بالنسبة إليها ليس تفصيلا يمكن التخلي عنه من أجل الاحتفاظ بالعمل، بل جزء من قناعتها الدينية وهويتها الشخصية. وحاولت المقاطعة اقتراح مسار آخر عليها، يتمثل في الانتقال إلى تدريس التربية الإسلامية، حيث يسمح للمعلمين بارتداء الرموز الدينية، إلا أن المعلمة رفضت هذا الحل لأنها لا تريد أن تختزل هويتها المهنية في دينها، كما أن القضية بالنسبة إليها لا تتعلق بالبحث عن وظيفة تسمح بالحجاب، وإنما بحقها في ممارسة المهنة التي اختارتها من دون إجبارها على التخلي عن معتقدها.
وتكتسب القضية أهمية أكبر بسبب موقف معهد فلاندرز لحقوق الإنسان، الذي نظر في الملف وخلص في ديسمبر الأول 2025 إلى وجود عناصر تمييز في تعامل المقاطعة مع المعلمة. فقد اعتبر المعهد أن الفترة السابقة على دخول القواعد الجديدة شهدت تمييزا مباشرا على أساس الدين، بينما رأى أن تطبيق الحظر الجديد يمكن أن يؤدي إلى تمييز غير مباشر على أساس الدين والجنس، كما أشار إلى وجود ترهيب مرتبط بالدين والجنس في طريقة التعامل مع القضية. والأهم أن المعهد أوصى بالسماح للمعلمة باستئناف عملها بالحجاب وسحب الحظر العام على الرموز الدينية والفلسفية بالنسبة إلى معلمي التعليم الإقليمي.
وهذه النقطة تضع الرواية الرسمية للمقاطعة تحت اختبار حقيقي؛ فالمقاطعة تدافع عن قرارها باعتباره تطبيقا لنظام موظفين تم اعتماده بصورة قانونية، وتقول إن الحياد ضروري في التعليم العام لحماية التلاميذ من أي تأثير ديني أو أيديولوجي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه حقا، هو هل مجرد ارتداء المعلمة للحجاب يشكل فعلا ضغطا على التلاميذ أو إخلالا بحياد التعليم؟ ففي ملف القضية، لم يكن هناك، بحسب معهد حقوق الإنسان، دليل على أن التلاميذ تعرضوا لضغط بسبب ارتداء المعلمة الحجاب، كما لم تثبت المقاطعة أن منع الرمز الديني هو الوسيلة الوحيدة أو الأكثر تناسبا لتحقيق هدف الحياد.
ومن هنا تتحول القضية من مجرد تطبيق للائحة داخلية إلى نقاش أعمق حول معنى الحياد في المؤسسات العامة. فالمؤسسة قد تكون محايدة تجاه الأديان، لكن هل يعني ذلك أن الموظف نفسه يجب أن يكون بلا هوية دينية ظاهرة؟ وهل يمكن للدولة أن تطلب من امرأة مسلمة أن تخلع الحجاب حتى تستطيع ممارسة مهنتها، في حين لا توجد شكوى تتعلق بكفاءتها أو أدائها أو تعاملها مع الأطفال؟ بالنسبة إلى المدافعين عن المعلمة، فإن المشكلة هنا أن قاعدة تبدو محايدة لأنها تمنع جميع الرموز الدينية يمكن أن يكون تأثيرها في الواقع أكثر قسوة على فئة بعينها، ولا سيما النساء المسلمات اللواتي يعتبرن الحجاب جزءا من التزامهن الديني.
وتزداد حدة الجدل لأن أماجود لم تدخل إلى الوظيفة وهي تخفي حجابها ثم قررت فجأة تحدي المؤسسة؛ بل كانت ترتديه عندما بدأت عملها، واستمرت في أداء وظيفتها، وحصلت على تثبيت مهني قبل أن يصبح الحجاب محور النزاع. ولذلك ترى النقابة المدافعة عنها أن القضية لا يمكن اختزالها في عبارة «الموظفة رفضت احترام النظام»، لأن خلف هذا الرفض حقا أساسيا يتعلق بالحرية الدينية والمساواة في العمل. ومن هذا المنظور، فإن معاقبة امرأة بفقدان مصدر رزقها لأنها رفضت التخلي عن مظهر ديني تراه جزءا من معتقدها تثير أسئلة جدية حول مدى تناسب العقوبة مع المخالفة المفترضة.
ومع ذلك، فإن الملف القانوني لا يسير في اتجاه واحد. ففي مايو 2026، رفضت محكمة الدرجة الأولى في غنت مطالب المعلمة في دعوى مستعجلة، معتبرة أن المقاطعة تستطيع تطبيق قواعد الحياد على موظفي التعليم الإقليمي، وأن العاملين في هذا القطاع يخضعون للنظام المعتمد من المؤسسة. وهذا الحكم يشكل ضربة للمعلمة على المستوى القضائي، لكنه لا ينهي الجدل الحقوقي والسياسي حول القضية، خصوصاً في ظل الموقف المختلف الذي صدر عن معهد فلاندرز لحقوق الإنسان.
وبالنسبة إلى خديجة أماجود، فإن المسألة لم تعد مجرد خلاف مع الإدارة حول قطعة من الملابس. إنها تقول إن ما بنته خلال سنوات من العمل اختفى فجأة أمام شرط واحد وهو أن تتخلى عن حجابها. وبعد أن أصبحت موظفة مثبتة في عملها، وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن حقها في الاستمرار في المهنة من دون التخلي عن قناعتها الدينية. ومن وجهة نظرها، فإن الرسالة التي يحملها قرار الفصل خطيرة، لأنها تعني عمليا أن امرأة مسلمة قد تكون مؤهلة ومهنية وناجحة في عملها، لكنها قد تخسر وظيفتها إذا أصرت على الظهور بهويتها الدينية.
وقد أعلنت نقابة ACOD أنها ستواصل المعركة القانونية وتطعن في القرار أمام غرفة الاستئناف في بروكسل، ما يعني أن القضية لم تصل بعد إلى نهايتها. ومن المنتظر أن يكون للمسار القضائي أهمية تتجاوز حالة المعلمة نفسها، لأن القرار النهائي قد يؤثر في النقاش الأوسع حول الرموز الدينية في التعليم الرسمي في فلاندرن، وحول التوازن بين مبدأ الحياد من جهة والحق في الحرية الدينية وعدم التمييز من جهة أخرى.
يمكن للسلطات أن تقول إن لديها نظاما يجب احترامه، ويمكن للمؤسسات التعليمية أن تؤكد حاجتها إلى الحياد، لكن القضية التي تطرحها أماجود تتجاوز النصوص الإدارية؛ فهل يتطلب الحياد من الدولة أن تمنع المعلمة من إظهار دينها، أم أن الحياد الحقيقي يقتضي أن تضمن لها حق العمل من دون أن تضطر إلى الاختيار بين مهنتها ومعتقدها؟ بالنسبة إلى المعلمة والنقابة والجهات الحقوقية التي دعمت موقفها، فإن تحويل الحجاب إلى سبب لإنهاء المسار المهني لامرأة لم تُتهم بالفشل في عملها يمثل سابقة مقلقة، ويجعل السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المعلمة احترمت لائحة المؤسسة، بل ما إذا كانت هذه اللائحة نفسها تطبق بطريقة عادلة ومتوافقة مع مبدأ المساواة والحرية الدينية.
وهكذا أصبحت خديجة أماجود في قلب معركة أكبر من وظيفتها الشخصية؛ معركة حول المكان الذي يُسمح للمرأة المسلمة أن تشغله في المجتمع الأوروبي، وحول ما إذا كان اندماجها في الحياة المهنية يتطلب منها إخفاء جزء من هويتها. لقد اختارت المعلمة أن تتمسك بحجابها، وخسرت بسبب ذلك وظيفتها، لكن مع استمرار الطعن القضائي تبقى القضية مفتوحة، ويبقى السؤال الذي تطرحه أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ هل تكون المواطنة والحقوق المهنية كاملة للمرأة المسلمة كما هي، أم تصبح مشروطة بمدى استعدادها للتخلي عن مظهر من مظاهر دينها؟
خديخة اختارت ألا تخلع حجابها واليوم خسرت وظيفتها. لكن مع إعلان النقابة الطعن في القرار، فإن القضية لم تنتهِ بعد. بل ربما تكون قد بدأت للتو، وهذه المرة أمام جهة ستضطر إلى الإجابة عن السؤال الأصعب. فأين ينتهي حق المؤسسة في فرض الحياد، وأين تبدأ حرية الإنسان في أن يكون نفسه؟
