لم يكن أحمد لمنادي مجرد مهاجر مغربي اختار الاستقرار في هولندا، ولا مجرد فاعل جمعوي حمل هموم أبناء الجالية؛ كان رجلا اختار، في زمن لم تكن فيه الطريق سهلة، أن يجعل من الدفاع عن حقوق المهاجرين قضية عمر، وأن يواصل الكلام والمواجهة والعمل، حتى بعدما أصبح يعلم أنه تحت المراقبة.
برحيله عن سن ناهز 78 سنة، تطوي هولندا صفحة أحد أبرز الوجوه الريفية-المغربية التي ارتبط اسمها بتاريخ النضال من أجل حقوق المهاجرين، وتفقد الجالية المغربية رجلا ظل حاضرا في ملفاتها وقضاياها لعقود، مدافعا عن الكرامة والمساواة وحق المهاجر في أن يكون شريكا كاملا في المجتمع الذي اختار أن يعيش فيه.
وصل أحمد لمنادي إلى هولندا وهو في السابعة عشرة من عمره، في زمن كانت فيه الهجرة المغربية إلى أوروبا مختلفة تماما عما هي عليه اليوم. مهاجرون جاؤوا للعمل، قبل أن تتحول الهجرة تدريجيا إلى استقرار وبناء أسر ومجتمعات كاملة.
لكن لمنادي لم يكتف بأن يعيش التحول من بعيد. انخرط في العمل العام، وحمل قضايا المهاجرين إلى المؤسسات والفضاء الإعلامي، وأصبح واحدا من الأصوات التي لم تكن تخشى الحديث عن الملفات الشائكة، مثل التمييز ولمّ شمل الأسر وحقوق المهاجرين، والاندماج والمشاركة في المجتمع.
كان يعلم أنه مُراقَب.. لكنه لم يصمت
ربما تكمن إحدى أكثر محطات مسيرته دلالة في أنه كان يعرف أن نشاطه لم يكن يمر بعيدا عن أعين الأجهزة التي كانت تتابع تحركات بعض النشطاء والفاعلين في أوساط المهاجرين. ومع ذلك، لم يتحول ذلك إلى سبب للصمت أو التراجع.
ظل لمنادي يمارس نشاطه، ويتحدث عن القضايا التي يؤمن بها، ويدافع عن المهاجرين، في وقت كان فيه النشاط الحقوقي والسياسي والاجتماعي وسط الجاليات المهاجرة أكثر حساسية مما هو عليه اليوم.
وهنا تحديدا تكتسب مسيرته معناها؛ فالنضال بالنسبة إليه لم يكن شعارا يرفع في المناسبات، بل خيارا يوميا، حتى عندما كان صاحبه يدرك أن هناك من يراقب خطواته ويرصد نشاطه.
من العمل الجمعوي إلى صناعة صوت للجالية
ارتبط اسم أحمد لمنادي كذلك بتأسيس وبناء مؤسسات مثّلت صوتا للمهاجرين المغاربة في هولندا، وكان من أبرز محطاته تولي رئاسة اتحاد المغاربة والتونسيين (SMT)، الذي أصبح لاحقا اتحاد المغاربة الهولنديين (SMN)، حيث تولى رئاسته الأولى بين عامي 1987 و1999.
في تلك المرحلة، كانت الجالية المغربية تمر بتحول تاريخي. حيث لم يعد المهاجر مجرد عامل مؤقت ينتظر العودة، بل أصبح رب أسرة، وأصبح أبناؤه جزءا من المجتمع الهولندي، وبرزت أسئلة جديدة حول الهوية والمواطنة والمساواة والاندماج والحقوق.
وكان لمنادي من أولئك الذين أدركوا مبكرًا أن مستقبل الجالية لن يُبنى بالصمت، وأن حضورها في المجتمع يحتاج إلى مؤسسات وأصوات قادرة على إيصال مطالبها والدفاع عنها.
رجل هادئ في أسلوبه.. صلب في مواقفه
لم يكن لمنادي من أصحاب الخطاب الصاخب، لكن هدوءه لم يكن يعني التراجع عن مواقفه. كان حضوره قائمًا على العمل، وعلى التواصل مع المؤسسات، وعلى طرح قضايا المهاجرين في النقاش العام. وفي مرحلة كانت فيها صورة المهاجر كثيرا ما تُختزل في اليد العاملة أو في أرقام الإحصاءات، فساهم لمنادي في ترسيخ فكرة أن وراء كل مهاجر إنسانا له حقوق وأسرة وتطلعات، وصوت يجب أن يُسمع.
وقد حظيت مسيرته لاحقًا بتقدير رسمي في هولندا، حيث مُنح سنة 2001 وساما ملكيا تقديرا لإسهاماته المجتمعية.
رحيل رجل.. وبقاء قضية
رحيل أحمد لمنادي لا يمثل مجرد وفاة شخصية ريفية-مغربية عاشت في هولندا؛ إنه رحيل أحد أبناء جيل حمل على عاتقه مهمة شاقة، مهمة أن يجد للمهاجر مكانا وصوتا وحقوقا في مجتمع جديد.
لقد عاش لمنادي مراحل متباينة من تاريخ الهجرة المغربية؛ من زمن العمال المهاجرين إلى زمن الأجيال الثانية والثالثة، ومن مرحلة البحث عن الاستقرار إلى مرحلة البحث عن الاعتراف والمشاركة والمساواة.
ورغم تغير الزمن والوجوه والملفات، ظل جوهر المعركة واحدا بالنسبة إليه، ألا يتحول المهاجر إلى إنسان بلا صوت.
اليوم وقد غاب الرجل، تبقى قصته جزءا من ذاكرة الهجرة الريفية والمغربية في هولندا؛ ذاكرة رجال ونساء لم يكتفوا بالوصول إلى الضفة الأخرى، بل حاولوا أن يغيروا شيئًا في الواقع الذي وجدوا أنفسهم فيه.
أحمد لمنادي رحل، لكن سيرة رجل عرف أنه مراقَب، ومع ذلك اختار أن يستمر في الكلام والدفاع والنضال، ستظل شاهدة على مرحلة كاملة من تاريخ نضال أبناء الريف في هولندا.
