تقرير/
أثار الغلاف الأخير لمجلة L’Espresso الإيطالية موجة من الجدل السياسي والإعلامي، بعد أن انتقدته حكومة الاحتلال “الإسرائيلية” بشدة واعتبرته “مسيئًا” و”محرضا”.
وجاء الغلاف بعنوان بارز “İSTİSMAR” (بمعنى “استغلال” أو “إساءة استخدام”)، مرفقًا بصورة جندي “إسرائيلي”، في سياق تحقيق موسّع تناول سياسات “إسرائيل” العسكرية والإقليمية. وتضمّن الغلاف عبارات حادة تنتقد ما وصفته المجلة بدور الجيش في دعم المستوطنين في الضفة الغربية، إضافة إلى إشارات إلى العمليات العسكرية في غزة ولبنان وسوريا، والتوتر مع إيران.
وقد أدان السفير الإسرائيلي في روما الغلاف، معتبرًا أنه “يغذي الصور النمطية” ويحتوي على “مضامين يمكن تصنيفها كجريمة كراهية”. وأكد أن مثل هذا الطرح الإعلامي يساهم في تأجيج المشاعر المعادية لإسرائيل، خاصة في ظل الأوضاع الحساسة في المنطقة.
ركزت المجلة في طرحها على انتقاد ”اليمين الصهيوني” وسعيه لتشكيل “إسرائيل الكبرى”، وفق تعبير الغلاف. كما ربطت بين السياسات العسكرية والتوسع الاستيطاني، معتبرة أن هذه الممارسات تشكل نمطًا متكاملًا من النفوذ الإقليمي.
لم يكن الغلاف الأخير لمجلة L’Espresso مجرد مادة صحفية عابرة، بل تحوّل سريعًا إلى قضية سياسية وإعلامية، بعدما أثار غضبا رسميا “إسرائيليا” وصل إلى حد الإدانة الدبلوماسية. المجلة، التي اختارت عنوانًا صادما وصورة جندي “إسرائيلي”، وضعت نفسها في قلب عاصفة من الجدل حول حدود النقد، ودور الإعلام في تناول واحدة من أكثر القضايا حساسية في العالم.
في مضمونها، لم تطرح المجلة ادعاءات جديدة بقدر ما أعادت تجميع مشاهد مألوفة من الواقع، الاحتلال في الضفة الغربية، الإبادة والدمار في غزة، والتوترات العسكرية الممتدة في الإقليم. وهي قضايا لطالما شكّلت محور تقارير دولية وحقوقية، لكنها حين تُعرض بهذا الشكل المباشر والصادم، تتحول إلى مادة صادمة للغرب.
ما يلفت الانتباه في هذه الواقعة هو انزياح النقاش من مضمون الغلاف إلى شكله. فبدلًا من الرد على ما طرحته المجلة، جرى التركيز على إدانة الطريقة التي قُدم بها. وهذا يعكس، في نظر كثير من المراقبين، نمطا متكررا يتم فيه تفادي مواجهة الانتقادات عبر التشكيك في دوافعها أو تصنيفها.
وفي قلب هذا السجال، تعود قضية حرية التعبير إلى الواجهة. فالمجلة، المعروفة بخطها التحريري الجريء، تمارس دورا تقليديا للصحافة، في مساءلة السلطة وطرح الأسئلة الصعبة. غير أن ردود الفعل التي تلت الغلاف تشير إلى أن هذا الدور لا يزال محفوفًا بالضغوط، خاصة عندما يتعلق بجرائم “إسرائيل” وأطماعها في المنطقة.
أما الفلسطينيون، الذين شكّلوا الخلفية الضمنية للغلاف، فيبقون محورًا أساسيًا في هذا الجدل، حتى وإن لم يكونوا الطرف الأكثر حضورًا فيه. فإبراز معاناتهم في وسائل إعلام غربية كبرى يظل خطوة نادرة نسبيا، وغالبا ما تُقابل بردود فعل حادة، كما حدث في هذه الحالة.
إن هذه الواقعة تكشف عن معادلة معقدة، حيث إعلام مستقل أو “يساري” يسعى إلى كسر السائد، وسلطة أوروبية تسعى إلى ضبط السرد، ورأي عام أوروبي منقسم بين دعم حرية التعبير والحذر من خطاب قد يُفهم بطرق متعددة. وبين كل ذلك، يبقى السؤال، هل يمكن للصحافة أن تنقل واقعا صادما دون أن تُتهم بتجاوزه؟
