- عماد العتابي
كان يفترض أن يكون ليون بابتست، العداء البريطاني المعروف، مجرد سائح آخر غادر مراكش بعد أيام من الاستجمام، لكنه لم يغادر. بقي في المدينة الحمراء، قبل أن ينتهي به الأمر في سجن الوداية، بعد إدانته في قضية جنسية تتعلق باغتصاب قاصر مغربي. حُكم عليه ابتدائيا بعشرة أشهر، ثم خُفض الحكم استئنافيا إلى ثمانية أشهر. وبينما كانت عائلته وأصدقاؤه في بريطانيا يبحثون عنه باعتباره مفقودا، كان الرجل يقضي عقوبته في سجن مغربي. هنا تنتهي قصة العداء البريطاني وتبدأ قصتنا نحن.
لأنني لا أريد أن أعرف كثيرا عن ليون بابتست، ولا يهمني إن كان بطلا أو مستشارا في ألعاب القوى البريطانية، ولا يهمني حتى أن أعرف تفاصيل حياته الخاصة. ما يهمني هو السؤال الذي تركته هذه القضية خلفها؛ كيف يمكن أن تنتهي قضية اعتداء جنسي على قاصر مغربي بحكم من ثمانية أشهر، وماذا تقول هذه العقوبة عن قيمة القاصر والطفل المغربي في منظومة يفترض أنها تحميه؟
القضية ليست في أن المحكمة حكمت ثمانية أشهر بدل عشر، ولا في أن المتهم بريطاني. القضية في الرسالة التي يبعثها هذا النوع من الأحكام إلى المجتمع. حين يسمع المواطن أن قاصرا تعرض أو قاصرة تعرضت لاعتداء جنسي، ثم يسمع أن المعتدي لن يقضي في السجن سوى بضعة أشهر، فإنه لا يبدأ في قراءة مواد القانون وفصوله، بل يبدأ في طرح سؤال عن، هل أصبحت أجساد أطفالنا رخيصة إلى هذا الحد؟
وهنا بالضبط تظهر مسؤولية الدولة. فالقانون لا يوجد فقط لكي يعاقب بعد وقوع الجريمة؛ القانون موجود أيضا لكي يردع قبل وقوعها. العقوبة يجب أن تجعل المجرم المحتمل يفكر ألف مرة قبل أن يقترب من طفل. أما عندما تصبح العقوبة في وعي الناس مجرد بضعة أشهر، فإن الردع نفسه يتحول إلى شيء قابل للسخرية. والأسوأ من ذلك أن السائح المنحرف قد يقرأ الرسالة بطريقة أخطر؛ حيث يفهم أن المغرب ليس المكان الذي ينبغي أن يخاف فيه كثيرا من عواقب جريمة من هذا النوع.
وهذه ليست الصورة التي يجب أن يصدرها المغرب عن نفسه. البلد الذي يريد أن يكون وجهة سياحية عالمية لا يستطيع أن يجعل حماية الأطفال قضية ثانوية أمام حماية السياحة. السائح المحترم يريد بلدا آمنا، أما المجرم فهو وحده الذي يبحث عن بلد يعتقد أن القانون فيه قابل للمساومة.
وهنا يصبح الحديث عن “تسليع المواطن المغربي” أكثر من مجرد شعار سياسي. فالسلعة هي التي تحدد قيمتها بحسب الظروف ومن يقف أمامها. والمواطن المغربي في نظر هذه المنظومة، يبدو أقل قيمة من السائح، وأقل قيمة من المستثمر، وأقل قيمة من صاحب جواز أوروبي. أما القاصر المغربي فيكون في أسفل هذا السلم كله.
وليس من الصعب أن نفهم من أين جاء هذا الشعور. انظروا إلى طريقة تعامل الدولة مع الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية. في المغرب، يمكن لشاب أن يخرج إلى الشارع مطالبا بمستشفى أو جامعة أو شغل أو كرامة، فيجد نفسه أمام آلة أمنية وقضائية قادرة على تحويل احتجاجه إلى سنوات طويلة خلف القضبان. يكفي أن نتذكر أحكام حراك الريف التي وصلت إلى عشرين سنة في حق ناصر الزفزافي وآخرين.
مرة أخرى، لا أقارن هنا بين جريمة جنسية واحتجاج سياسي من الناحية القانونية، لأن المقارنة بهذه الطريقة سخيفة. أنا أقارن بين مقدار الصرامة التي يستطيع النظام أن يمارسها على المواطن عندما تعتبره الدولة خطرا، وبين مقدار الحماية التي يحصل عليها عندما يكون هو الضحية. هذه هي المفارقة التي تهمني.
كيف يمكن لدولة أن تكون بهذه القوة أمام شاب يحتج، ثم يخرج المواطن من قضية اعتداء على طفل وهو يسأل، لماذا كانت العقوبة بهذا القدر؟ كيف يمكن للمواطن أن يفهم أن التعبير عن غضبه الاجتماعي يمكن أن يكلفه عشرين سنة، بينما الاعتداء على جسد طفل قد ينتهي في بعض الحالات بأشهر قليلة؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع فقدان الثقة، وليس منشورا على فيسبوك أو خطابا لمعارض أو ناشط سياسي وحقوقي.
كلنا نتذكر دانيال غالفان، المغتصب الإسباني الذي أدين في المغرب في قضية اغتصاب أطفال، وحُكم عليه بثلاثين سنة، ثم استفاد من عفو ملكي سنة 2013 قبل أن يُسحب العفو بعد الغضب الشعبي العارم. لقد قيل وقتها إن الملك لم يكن على علم بطبيعة الجرائم وخطورتها، لكن المواطن المغربي لم يحتفظ بالتبرير في ذاكرته بقدر ما احتفظ بالمشهد إصدار عفو ملكي على مغتصب أطفال ومجرم خطير.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية لأن الأمر يتعلق برأس الدولة، وبشخص يحمل أيضا صفة “أمير المؤمنين”. فإذا كان الملك، بما يمثله من سلطة سياسية ودينية ورمزية، يستطيع أن يعفو عن مجرمين مدانين، فإن كل قرار من هذا النوع لا يبقى قرارا فرديا في نظر المواطن، بل يصبح جزءا من الصورة التي تتشكل لديه عن قيمة الجريمة وعقوبتها. وهنا النظام السياسي لا يستطيع أن يتنصل من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الصورة التي تنتجها قراراته.
وأنا أتذكر هنا حالة أعرفها لشاب مغربي كان يتواصل عبر واتساب مع قاصر إسبانية. اكتشفت أمها الأمر، فأبلغت السلطات، وتم توقيفه ثم صدر في حقه حكما بـ 10 سنوات سجنا نافذا بسبب محاولة التغرير بقاصر.
لم يعد المغاربة بحاجة إلى مزيد من الخطب عن دولة الحق والقانون. يكفيهم أن ينظروا إلى ميزان العدالة كما يُمارس أمام أعينهم. شاب يحتج على مستشفى أو جامعة أو كرامة فيجد نفسه أمام سنوات من السجن، وقاصر تُنتهك حرمته ثم يصبح النقاش حول التكييف والحكم والظروف والملابسات. فأي قانون هذا الذي يجعل المواطن يخاف من الدولة أكثر مما يخاف المعتدي من القانون؟
لقد نجح المخزن عبر عقود، في تحويل المواطن من صاحب حق إلى طالب صدقة، ومن صاحب كرامة إلى شخص يتوسل الحماية، ومن مواطن يفترض أن تكون الدولة في خدمته إلى فرد عليه أن يخشى الدولة في كل خطوة. وحين يصل الأمر إلى الأطفال، تصبح الصورة أكثر قسوة، فالقاصر المغربي الذي يفترض أن يكون تحت حماية الدولة يصبح الحلقة الأرخص في هذه السلسلة كلها.
لقد آن الأوان أن نقول الأشياء بمسمياتها. لا يمكن بناء دولة قوية بمواطن يشعر أنه بلا قيمة، ولا يمكن الحديث عن العدالة بينما تتسع الهوة بين صرامة الدولة مع من يحتج ويدافع عن حقوقه وكرامته وتساهلها في جرائم الاغتصاب التي تستهدف أضعف الفئات (الأطفال والنساء). وإذا كان النظام يريد فعلا أن يقنع المغاربة بأنهم متساوون أمام القانون، فليبدأ من حيث لا يستطيع أحد أن يساومه؛ من حماية الطفل وكرامة الضحية، ومن جعل الأجنبي والمغربي يقفان أمام القانون بالمسطرة نفسها والميزان نفسه.
