تقرير/
في واقعة تكشف حجم الارتهان السياسي والأمني الذي وصلت إليه أنقرة داخل المنظومة الأمريكية/الأطلسية، أقدمت السلطات التركية على تسليم المواطن العراقي القائد في المقاومة محمد باقر السعدي إلى الولايات المتحدة، بعد اعتقاله داخل أحد المطارات التركية أثناء رحلة ترانزيت كانت متجهة إلى موسكو، رغم عدم ارتكابه أي مخالفة قانونية على الأراضي التركية.
السعدي بقي محتجزا لأيام داخل المطار، قبل أن تنفذ الأجهزة الأمنية التركية عملية تسليم مباشرة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI، في خطوة تعتبر سقوطا جديدا لادعاءات السيادة والاستقلال التي يروّج لها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
الحادثة تكشف بوضوح أن الخطاب التركي الداعم لفلسطين والمقاومة لا يتجاوز حدود الاستهلاك الإعلامي، بينما يستمر التعاون الأمني والعسكري والاستخباري بين أنقرة وواشنطن وتل أبيب بأعلى مستوياته، دون أن يتأثر حتى خلال حرب الإبادة المستمرة على غزة.
ما جرى مع السعدي لا يمكن النظر إليه كحادثة معزولة، بل كجزء من منظومة تنسيق أمني عابرة للحدود، تمنح الولايات المتحدة وإسرائيل حرية ملاحقة خصومهما السياسيين داخل الأراضي التركية، وتحول المطارات والمعابر التركية إلى ساحات مفتوحة للاعتقال والتسليم والتصفية السياسية.
ويرى متابعون أن هذه الواقعة تمثل رسالة خطيرة إلى كل كوادر وقوى المقاومة في المنطقة، خصوصا الفلسطينية واللبنانية والعراقية، مفادها أن تركيا لم تعد مساحة آمنة، وأن حكومة أردوغان اختارت الاصطفاف الكامل ضمن المشروع الأمني الأمريكي/الإسرائيلي، مهما حاولت تغليف ذلك بخطابات شعبوية أو شعارات دينية.
الانتقادات الواسعة التي أعقبت تسليم السعدي أعادت طرح الأسئلة حول حقيقة موقع تركيا في صراعات المنطقة، هل هي دولة مستقلة تمتلك قرارها السيادي، أم مجرد ذراع وظيفية داخل حلف الناتو، تنفذ ما يُطلب منها حين يتعلق الأمر بمصالح واشنطن وتل أبيب؟
إن تسليم محمد باقر السعدي لا يكشف فقط عن طبيعة العلاقة بين أنقرة وواشنطن، بل يفضح أيضا الهوة الهائلة بين الخطاب السياسي التركي وبين الممارسة الفعلية على الأرض، حيث تتحول شعارات “دعم المقاومة” إلى مجرد غطاء إعلامي لعلاقات أمنية لم تنقطع يوما مع أعداء شعوب المنطقة.
