تقرير/
لم يكن المشهد الذي أعقب الليلة الساخنة في الشرق الأوسط عاديا. فالتصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معلنا عمليا انتهاء ما سماه “مذكرة التفاهم” مع طهران، ومستخدما لغة هجومية غير مسبوقة، جاءت لتكشف أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة أكثر توترا، عنوانها التصعيد السياسي والنفسي، ومحاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك بعد أن تبدلت موازين القوى في المنطقة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت واشنطن تريد التصعيد، بل لماذا اختارت هذا التوقيت تحديدا؟ وهل تعبّر هذه اللغة عن ثقة بالنفس، أم عن ارتباك أمام واقع إقليمي لم يعد يخضع للحسابات الأميركية التقليدية؟
عندما تفشل الضغوط… يبدأ التصعيد الكلامي
طوال سنوات، اعتمدت الولايات المتحدة سياسة العقوبات القصوى، والحصار الاقتصادي، والضغوط الدبلوماسية، والتهديد العسكري، على أمل دفع إيران إلى تغيير سياساتها أو تقديم تنازلات جوهرية. لكن النتيجة جاءت معاكسة تماما.
إيران لم تنهَر، ولم تتراجع عن خياراتها الاستراتيجية، بل واصلت تطوير قدراتها العسكرية والعلمية، ورسخت حضورها السياسي والإقليمي، وأثبتت أن الضغوط الاقتصادية، مهما بلغت قسوتها، ليست كافية لفرض الإرادة الأميركية.
ولهذا، فإن العودة إلى لغة التهديد والإهانات لا تبدو سوى محاولة لتعويض عجز الأدوات الأخرى عن تحقيق النتائج التي راهنت عليها واشنطن.
إيران لم تعد في موقع الدفاع
ما تغيّر في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة هو أن إيران لم تعد تتعامل مع الأزمات من موقع الدفاع فقط، بل أصبحت طرفاً أساسياً في رسم معادلات الردع.
لقد فرضت الجمهورية الإسلامية واقعا جديدا، باتت فيه أي حسابات أميركية أو إسرائيلية مضطرة إلى أخذ الرد الإيراني في الاعتبار قبل الإقدام على أي خطوة عسكرية.
هذه المعادلة هي التي جعلت الحديث عن الحرب يختلف جذريا عما كان عليه قبل عقد أو عقدين. فلم يعد قرار المواجهة قرارا أحاديا، ولم تعد كلفة الحرب مقتصرة على طرف واحد، بل أصبحت تمتد إلى كامل المنطقة.
لماذا يرفع ترمب سقف الخطاب؟
الخطاب الأميركي لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية والخارجية. فالولايات المتحدة تسعى إلى إظهار أنها ما زالت صاحبة الكلمة العليا في الشرق الأوسط، وأنها قادرة على ردع خصومها وطمأنة حلفائها. لكن الواقع الميداني يقول إن المنطقة تغيّرت، وإن موازين القوة لم تعد تسمح بإملاءات أحادية كما كان يحدث في العقود الماضية.
ولذلك، فإن رفع سقف التصريحات قد يكون محاولة لإعادة بناء صورة الردع الأميركي، أكثر منه تعبيراً عن استعداد فعلي لخوض مواجهة مفتوحة.
هل عادت الحرب؟
الحرب ليست مستبعدة، لكن الحديث عن حرب شاملة يحتاج إلى قراءة أكثر عمقا. فأي مواجهة واسعة لن تكون مواجهة خاطفة، ولن تبقى داخل حدود دولة واحدة، بل ستكون لها ارتدادات سياسية وأمنية واقتصادية على المنطقة بأكملها، وربما على النظام الدولي أيضا.
الجنازة المليونية… مشهد أربك الحسابات
لا يمكن فصل التصعيد الأميركي الأخير عن المشهد الجماهيري الذي رافق مراسم تشييع القائد الأممي الشهيد الإمام الخامنئي الحاشدة، والذي حمل دلالات سياسية ورمزية عميقة. فذلك الحضور الكثيف والتاريخي بعث برسالة واضحة مفادها أن الرهان على انهيار الجبهة الداخلية الإيرانية لم يتحقق، وأن الضغوط والحصار لم ينجحا في إحداث الشرخ الذي كانت تراهن عليه واشنطن.
وفي القراءة السياسية، فإن هذا المشهد الشعبي شكّل صفعة لكل التقديرات التي تحدثت عن تراجع الالتفاف الشعبي حول القيادة الإيرانية، إذ أظهر أن لحظات المواجهة الكبرى تدفع قطاعات واسعة إلى الالتفاف حول الدولة وخياراتها، لا إلى الابتعاد عنها.
ومن هنا، يمكن فهم التصعيد اللفظي الأميركي بوصفه رد فعل سياسي على مشهد لم يكن مريحا لواشنطن. فالحشود المليونية لم تكن مجرد مراسم تشييع، بل رسالة بأن مشروع الضغط والعزل والحرب لم ينجح في كسر الإرادة الإيرانية، وأن الرهان على إضعاف التماسك الداخلي ما زال بعيد المنال.
ولذلك، جاءت تصريحات ترمب أكثر حدة وانفعالا، وكأنها محاولة لاستعادة زمام المبادرة إعلاميا بعد أن فرض المشهد الشعبي رواية مختلفة تماما عن تلك التي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخها طوال السنوات الماضية.
لغة الإهانات… علامة ضعف لا قوة
حين تنتقل دولة عظمى من لغة السياسة إلى لغة الإهانات، فإن ذلك يعكس أزمة أكثر مما يعكس ثقة.
فالخطاب الانفعالي لا يغيّر الوقائع، ولا يبدل موازين القوى، ولا يفرض معادلات جديدة على الأرض.
أما الوقائع، فهي تُكتب بالقدرات والإرادة والصمود، لا بالكلمات الحادة أو التصريحات النارية.
ومن هنا، تبدو تصريحات ترمب محاولة لإعادة إنتاج صورة القوة الأميركية، في وقت تشير فيه التطورات إلى أن قدرة واشنطن على فرض إرادتها لم تعد كما كانت.
في المحصلة، ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف سياسي جديد بين واشنطن وطهران، بل صراع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة تحاول استعادة نفوذ تراجع بفعل التحولات الكبرى، فيما تؤكد إيران أنها لن تقبل العودة إلى مرحلة الإملاءات أو التهديدات.
وبين خطاب التصعيد الأميركي وثبات الموقف الإيراني، تقف المنطقة أمام مرحلة دقيقة قد تشهد مزيدا من التوتر، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن زمن الحروب السهلة قد انتهى، وأن أي مواجهة مقبلة لن تكون كما يريدها البيت الأبيض، بل كما تفرضها موازين الردع التي فرضتها إيران وحلفاؤها على امتداد المنطقة.
