- عماد العتابي
ثمة صمت في الرباط أصبح أكثر بلاغة من أي بيان دبلوماسي. صمت لا يتعلق هذه المرة بإيران، ولا بالحوثيين، ولا بحزب الله، ولا بأي طرف من الأطراف التي اعتادت الدبلوماسية المغربية أن ترفع صوتها في مواجهتها. إنه صمت أمام ما صدر أمس، من داخل البرلمان الإسباني، حين تحولت جلسة مخصصة لمناقشة أزمة سبتة إلى منصة لهجوم بالغ القسوة وغير مسبوق على المغرب وملك المغرب.
في جلسة أمس، لم يكن الحديث مجرد نقاش روتيني حول الهجرة أو أحداث سبتة. فقد ذهب النائب اليساري غابرييل روفيان إلى حد وصف الملك محمد السادس بـ«القاتل»، واتهم المغرب باستعمال المهاجرين أداة للضغط على إسبانيا. وفي مداخلة أخرى، هاجمت اليسارية إيوني بيلارا، زعيمة بوديموس، النظام المغربي واصفة إياه
بأنه «نظام توتاليتاري ديكتاتوري» و«أداة للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة»، داعية إلى تغيير جذري في العلاقة مع الرباط.
فلماذا تكون الدبلوماسية المغربية بالغة الحزم عندما يتعلق الأمر بخصوم الولايات المتحدة و”إسرائيل” في المنطقة، ثم تصبح شديدة التحفظ عندما تأتي الإهانة من دولة غربية ترتبط معها الرباط بعلاقات استراتيجية؟
لقد رأينا سرعة الموقف المغربي حين تعلّق الأمر بالهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في عدد من الدول العربية، إذ سارع بوريطة إلى إصدار بيان واضح أدان فيه تلك الهجمات، معلنا تضامن المغرب مع دول الخليج التي تحتضن هذه القواعد، والتي تنطلق منها الصواريخ والطائرات الأمريكية التي تستهدف إيران.
فإذا كان من واجب المغرب أن يدين ما يعتبره مساسا بأمن دولة عربية، فمن حق المغاربة أن يسألوا، أليس من واجب وزير خارجيتهم أن يدين أيضا المساس بالمغرب وملك المغرب عندما يأتي من داخل البرلمان الإسباني؟
لماذا نسمع صوت الرباط بوضوح عندما يكون الخصم طهران، مع العلم أن الأخيرة لم يصدر منها أي شيء ضد المغرب، بينما نبحث عنه فلا نجده عندما يكون مصدر الإهانة مدريد؟
إسبانيا ليست دولة عادية بالنسبة للمغرب. إنها الجار الأوروبي والشريك الاقتصادي والحليف الأمني، والطرف الذي يملك فوق الأراضي المغربية ملفات شديدة الحساسية، من الهجرة إلى مكافحة الإرهاب وصولا إلى سبتة ومليلية. ولذلك يمكن تفهم حرص الرباط على عدم تفجير العلاقة مع مدريد بسبب تصريحات سياسية، ويمكن تفهم لغة الدبلوماسية الهادئة.
لكن الهدوء شيء والصمت شيء آخر، فحين تستدعي مدريد السفيرة المغربية بسبب تصريحات تعتبرها غير مقبولة بشأن سبتة ومليلية، وحين تجعل الحكومة الإسبانية من هذه التصريحات قضية سياسية تستوجب الرد، يصبح من المشروع أن نسأل، لماذا لا تملك الرباط الحق نفسه في الاحتجاج عندما تصدر من البرلمان الإسباني تصريحات تمس رأس الدولة المغربية وتتهم المغرب بأوصاف بالغة الخطورة؟
إن الصمت في هذه الحالة لا يحدث في فراغ سياسي. فهو يأتي في وقت أصبحت فيه السياسة الخارجية المغربية أكثر التصاقا بالمصالح الإسرائيلية، وأكثر وضوحًا في اصطفافاتها تجاه ملفات المنطقة.
أما أن نتحدث عن السيادة باعتبارها خطا أحمر، ثم نتصرف كما لو أن بعض الإهانات يمكن ابتلاعها لأن مصدرها دولة لا نريد إغضابها، فهذه ليست واقعية دبلوماسية بقدر ما هي ازدواجية في تعريف الخطوط الحمراء.
والسؤال هنا لا يخص ناصر بوريطة وحده. إنه يخص تصور الدولة ذاتها. فهل يريد المغرب أن يكون دولة ذات قرار مستقل، تتحرك وفق مصالحها الوطنية، وتبني تحالفاتها دون أن تتحول إلى تابع أو دمية لأي جهة؟ أم أن موقعه الجديد بعد التطبيع مع الكيان الصهيوني بدأ يفرض عليه أن يختار بعناية متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى تكون الإهانة جريمة دبلوماسية ومتى تصبح مجرد «رأي سياسي»؟
إذا كان المطلوب من المغرب أن يكون جزءًا من ترتيبات أمنية وسياسية إقليمية تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، فليكن النقاش صريحا. أما أن تُقدَّم هذه الخيارات للمغاربة باعتبارها قرارات سيادية مستقلة، ثم يُطلب منهم في الوقت نفسه أن يتقبلوا صمت الخارجية أمام إهانة الملك داخل برلمان دولة أجنبية، فهنا يصبح الصمت نفسه موضوعا للمساءلة.
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الدبلوماسية ليس أن تخسر معركة، وإنما أن يفقد المواطن القدرة على فهم المعيار الذي تتحرك وفقه. فالوزير الذي يستطيع أن يصدر بيانا قويا ضد طهران البعيدة جغرافيا وجيوسياسيا، يستطيع أيضا أن يصدر بيانا هادئا وواضحا ضد تصريحات تمس المغرب في مدريد. ولا أحد يطالبه بإعلان حرب على إسبانيا ولا بقطع العلاقات ولا بإغلاق السفارات. المطلوب فقط أن يعرف المغاربة أن دولتهم لا تملك صوتين؛ صوتا مرتفعا أمام خصوم “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية، وصوتا منخفضا أمام من يهينها.
يا ناصر بوريطة، ما يحدث ليس دبلوماسية متوازنة، بل ازدواجية فاضحة في المواقف. فمن يهرع إلى إدانة طهران وحلفائها في صراعات لا تخص المغرب والمغاربة، ثم يلوذ بالصمت عندما تُوجَّه الإهانات إلى المغرب والملك من داخل البرلمان الإسباني، لا يملك ترف الحديث عن السيادة والكرامة الوطنية.
هذا الصمت الرسمي أمام مدريد يستحق الإدانة، لأنه يكشف أن بوصلة الخارجية المغربية لا تتحرك وفق مبدأ وطني وسيادي، وإنما وفق حسابات “إسرائيل” وأمريكا.
