في ردّ مطوّل أثار زوبعة جديدة داخل الوسط الإعلامي، خرج يونس مجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة للمجلس الوطني للصحافة، لينفي بشكل قاطع وجود أي استهداف أو تآمر ضد الصحافي حميد المهدوي. ورغم أن خطابه جاء في شكل دفاع عن قرارات المجلس ومساطره، إلا أن السياق الذي أُطلق فيه يضعه أساسا في خانة الرد على خرجة عبد الله البقالي، عضو لجنة الأخلاقيات، الذي تبرأ علنا من مسار القضية واعتبر ما جرى “استهدافا واضحا” للمهدوي.
هذا المعطى يجعل خرجة مجاهد أقرب إلى محاولة لتطويق ارتباك داخلي ظهر إلى العلن لأول مرة بهذا الوضوح، أكثر من كونها مجرد توضيحات للرأي العام.
خرجة عبد الله البقالي لم تكن مجرد رأي هامشي داخل المجلس؛ فقد صدرت عن عضو في لجنة الأخلاقيات نفسها، أي الجهة التي أصدرت القرار التأديبي ضد المهدوي.
تأكيده بوجود “استهداف” وضع المجلس في موقف حرج وكشف انقساما داخليا واضحا. لذلك، فإن ردّ مجاهد رغم أنه موجّه ظاهريا للجميع، كان في العمق محاولة لنسف الرواية التي قدّمها البقالي وإعادة ضبط سردية المؤسسة.
استند مجاهد إلى كون شكايتين من أصل ثلاث صدرت لصالح المهدوي، لتأكيد حياد المجلس.
لكن هذا التبرير لا يرد على النقطة المركزية التي أثارها البقالي؛ كيف كانت تُدار المداولات؟ ومن كان يوجّه دفة النقاش؟ وما طبيعة اللغة والأجواء داخل الاجتماع؟
في هذا السياق، يصبح استحضار نسب الشكايات مجرد ملحق إجرائي لا يمسّ القضايا الجوهرية التي فجّرها التسريب، ولا ينسف الشهادات الصادرة من داخل اللجنة نفسها.
لقد وصف مجاهد العبارات المتداولة في الفيديو بأنها “مزاح بين الأصدقاء”.
لكن هذا التفسير يتعارض مع مضمون خرجة البقالي، الذي اعتبر أن ما جرى داخل الاجتماع يعكس توجها واضحا نحو تحميل المهدوي مسؤولية مسبقة. وبالتالي، فإن تبرير ذلك “بالمزاح” لا يقدّم ردا على ما طرحه البقالي، بل يضفي مزيدا من الغموض على طبيعة النقاشات داخل اللجنة.
أقرّ مجاهد بأن بعض العبارات غير مسموح بها، لكنه ربط الاعتذار بسياق “سرية المداولات”.
هذا الربط يحاول نقل النقاش من جوهر ما حدث، وهو ما أشار إليه البقالي نفسه، إلى مدى قانونية تسريب النقاش.
بهذا، يصبح السؤال الأخلاقي الذي أثاره البقالي ثانويا، ويُعاد توجيه الضوء نحو الجانب الإجرائي، في حين أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة الخطاب داخل اللجنة.
فيما شدّد مجاهد على أن الإحالة الذاتية مسطرة عادية، فإن خرجة البقالي كانت أوضح في التشكيك في طريقة توظيفها في هذا الملف تحديدا. فقد اعتبرها مؤشرا على رغبة في “محاصرة” المهدوي بعد انتقاداته للمجلس.
وإزاء ذلك، لم يقدّم مجاهد تفصيلا كافيا يشرح كيف يمكن ضمان حياد اللجنة وهي تنظر في ملف هي نفسها طرف فيه من خلال الإحالة الذاتية.
وتوقف مجاهد عند الخلاف حول حضور الدفاع، واعتبر أن اللجنة تبنت “اجتهادا”.
لكن هذا الاجتهاد يعكس ضعفا في تأطير المساطر، وهو ما يتقاطع مع ما لمح إليه البقالي حين تحدث عن غياب الانسجام في معالجة الملف، وعن كون المسار برمّته جاء خارج سياق عدالة تأديبية مستقرة.
نفى مجاهد التدخل في أعمال اللجنة، لكنه أقر بأنه حضر في قضية المهدوي للاستشارة بخصوص المادة 52.
هذا الحضور، في توقيته ودلالاته، هو أحد العناصر التي دفعت البقالي أصلا إلى التشكيك في نزاهة المسار. وتوضيح مجاهد رغم إصراره على أنه لم يتخذ أي قرار لم يقدّم تفسيرا كافيا للعلاقة بين صلاحيات الرئيس واستقلالية اللجنة التأديبية.
وقد بدى واضحا أن خرجة يونس مجاهد هي محاولة لإعادة فرض رواية رسمية داخل مجلس يعيش حالة انقسام صريح. ومع أن الخطاب حاول تغطية جوانب متعددة، فإن أسئلة البقالي، وطبيعة النقاش في التسجيل، وحدود الإحالة الذاتية، وتأويل المساطر. جميعها بقيت دون أجوبة حقيقية.
والنتيجة أن ردّ مجاهد بقدر ما سعى لترميم صورة المجلس التي مزقها الفيديو الفضيحة، كشف أن الصراع لم يعد فقط مع طرف خارجي هو المهدوي، بل أصبح خلافا وصراعا داخليا بين من يفترض أنهم الحماة الأوائل لأخلاقيات المهنة.
