عماد العتابي
في إمزورن، المدينة الريفية العريقة، لا فرق كبير بين “الشيخ” و”الشيخة” حين يتعلق الأمر بخطاب الدولة حول “الوطنية”. ففي رمضان الماضي، ألقى الداعية الشيخ “ياسين العمري” محاضرة في قلب المدينة، دعا فيها الحاضرين،بشكل واضح ومكرر، إلى التمسك بالوطن، حبه، والإخلاص له. وبقدر ما لاقت كلماته تجاوبا لدى البعض، شعر كثيرون أنها لا تخرج عن تلك المعادلة المألوفة: الريف يجب دائما أن يُذكر بالولاء، وكأنه متهم يجب أن يثبت براءته باستمرار.
بعد أشهر قليلة فقط، تظهر الشيخات على منصة في مهرجان ليلي بإمزورن، يرقصن بلباس أحمر تتوسطه النجمة الخماسية البيضاء، تجسيد مباشر للعلم المغربي. ليست هذه مجرد رقصة، بل أداء رمزي واضح، تم تحميله،عن قصد أو بدونه، برسالة وطنية صامتة: “نحن هنا، وننتمي”.
وهكذا، نجد أن كلا الخطابين (خطبة الشيخ الداعية، وأداء الشيخات الراقصات) يصبان في نفس المعنى: فرض الوطنية على الريف في صورة وعظ أو استعراض. هذا النوع من الخطاب، وإن اختلفت وسائله، يحمل نفس الرسالة الضمنية: “أنتم بحاجة إلى أن نذكركم بالوطن، لأنه ليس راسخا بما يكفي فيكم.”
لكن لماذا الريف تحديدا؟ لأن الدولة، ومنذ عقود، لم تنظر إلى منطقة الريف كمجرد جزء من النسيج الوطني، بل كمجال “مشكوك فيه سياسيا”، يجب احتواؤه، تهذيبه، تأديبه، مراقبته، وأحيانًا “إعادة تأهيله” وطنيا. لهذا نجد في كل مناسبة دينية، أو ثقافية، أو فنية، رسائل موجهة للريفيين لا لسواهم، فيها شيء من التلقين، لا من التفاعل.
الريف، الذي قاوم الاستعمار، وقدّم الشه.داء، واحتضن واحدة من أعظم التجارب التحررية في تاريخ شمال إفريقيا وفي العالم بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، ليس بحاجة إلى “درس في الوطنية” من أي جهة. بل هو بحاجة إلى اعتراف، إنصاف، وإنهاء الحصار الرمزي والمادي الذي يُمارس عليه. الوطنية لا تُبنى على الخطب ولا على الاستعراضات، بل على الثقة، والعدالة، والكرامة المتبادلة.
فإلى متى سيظل الريف “مشتبها به” في وطنه؟
