تقرير/
في انعطافة دراماتيكية شكّلت انتصارا تاريخيا لطهران، أعلن ترمب عن اتفاقٍ لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك قبل ساعة فقط من انتهاء المهلة التي كان قد حدّدها دونالد ترمب لدفع إيران لـ “الاستسلام” لشروطه، والتي تضمت تهديدات بـ إعادة إيران للعصور الوسطى في حال عدم الاستجابة
الاتفاق، الذي جاء بوساطة باكستانية، ينص على هدنة مؤقتة وفتح مسار تفاوضي، في خطوة تعد تراجعا واضحا من واشنطن عن خيار تفكيك الدولة الإيرانية وإسقاط النظام، بعدما فشلت آلة الحرب والتهديدات في فرض شروطها على طهران.
وتشير المعطيات إلى أن إيران دخلت هذا الاتفاق من موقع قوة، متمسكة بحقوقها الاستراتيجية، ومؤكدة أن أي تهدئة لا تعني التخلي عن عناصر الردع، وهو ما انعكس في صياغة التفاهمات التي لم تتضمن تنازلات جوهرية من جانبها.
في المقابل، أبدت إسرائيل عدم رضاها عن هذا الاتفاق الذي فُرض كأمر واقع، معتبرة أنه لا ينسجم مع نهج التصعيد الذي كانت تدفع نحوه. ويرى محللون أن هذا الرفض قد يفسّر استمرار الغدوان الهمجي في لبنان، حيث تتهم أطراف عدة “إسرائيل” بمحاولة تخريب الاتفاق وتقويض أجواء التهدئة عبر تصعيد ميداني واستهدافات تطال مناطق مدنية وارتكاب مجازر واسعة في كل مناطق لبنان في عدوان يعد الأكبر منذ حرب 2006، في مسعى لخلط الأوراق وإعادة فرض معادلات مختلفة على الأرض.
ويُنظر إلى الساحة اللبنانية، في هذا السياق، كإحدى نقاط الضغط التي يمكن من خلالها التأثير على توازنات ما بعد الاتفاق، خاصة في ظل الترابط الوثيق بين ملفات المنطقة. غير أن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى توسيع رقعة الاشتباك مرة أخرى بدل احتوائه، وهو ما يتناقض مع جوهر التفاهم الذي تم التوصل إليه.
ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا يزال الاتفاق في مرحلة الاختبار، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، وتبقى احتمالات التصعيد قائمة في حال سعت أطراف غير راضية إلى إفشاله. ومع ذلك، فإن ما تحقق حتى الآن يشير إلى حقيقة أساسية مفادها أن موازين القوى لم تعد تسمح بفرض الحلول بالقوة، وأن إيران، بما راكمته من عناصر قوة، أصبحت لاعبا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية.
في المحصلة، يعكس هذا الاتفاق تحوّلا في قواعد الاشتباك، حيث لم تعد لغة التهديد كافية لفرض الوقائع، بل باتت القوة بمفهومها الشامل هي التي ترسم حدود السياسة وتحدد مساراتها.
