- عبدو فايد
هيام نعواس، نموذج العربي الذليل كما صنعه الأميركيون. أردنية تتحدث اللغة العربية، لكنها عندما تظهر على التلفزيون، تتنكّر للسانها الأم، وتفضّل التحدّث بالإنجليزية. ولو خرج الأميركي نفسه ينتقد ترامب، هذه العميلة لن تفعل. لماذا؟ لأن أمثال تلك النوعيات دائمًا يحاولون إثبات شيء للأميركي، ربما ترانا عربًا، ملامحنا خمرية، ولساننا تكسوه لكنة مشرقية، لكننا في الصميم أميركيون، نتبني قيم الرجل الأبيض الاستئصالية، ولو في حق شعوبنا. هل رضيت عنّا الآن؟ هل ستفتح باب التعيينات الحكومية في منصب المستشار فلان، والتي تكون عادة مواقع شرفية للجواسيس؟ المدهش أن الأميركي حتى لم يرض عن نعواس فاضطرت هي لاختلاق لقب مستشارة في البنتاجون.
هناك حادثة يتذكّرها الأردنيون بشكل خاص وقعت عام 2009. ضابط استخبارات ينتمي للعائلة المالكة واسمه الشريف علي بن زيد، كان يعمل مع ضباط الاستخبارات الأميركية في أفغانستان، وظنّ أنه يستطيع تقديم خدمة هائلة للولايات المتحدّة بتجنيد طبيب أردني لاختراق حركة طالبان. نجح بن زيد بالفعل في استقطاب الدكتور هُمام البلوي، وذهب به إلى قاعدة خوست حتى يقدّمه للأميركيين وتبدأ رحلة مثمرة من التعاون. فجأة، سمع السكان على بُعد عشرة كيلو مترات صوت انفجار هائل. كان همام البلوي مخلصًا لأفكاره، وخدع الضابط الأردني الذي جنّده، وبحزام حول خصره، أخذ سبعة ضباط من الاستخبارات الأميركية إلى جهنم، ومعهم الضابط الأردني، الذي تم تجميع بقايا جسده وأرسلت للعاصمة عمّان، حيث حظي بجنازة مهيبة، شارك فيها كل الأسرة الحاكمة. لكن المدهش كان رد الفعل الأميركي.
هذا ضابط أردني خدمكم، حاول تجنيد جاسوس لعيونكم، وفعل كل شيء من أجلكم. صحيح مجهوده أدّى لفضيحة هائلة وحداد في وكالة الاستخبارات الأميركية، لكنه حاول. ورغم ذلك، ترك الأميركيون كل شيء، وبدأت وسائل إعلامهم في كيل المسبات لعدم الكفاءة العربية. العرب عبء، لا يتعلمون، ويتسببون في تحويلنا لقطع متناثرة. وعندما كرموا فطائسهم في مقر ال CIA في لانجلي، لم يأتوا حتى على ذكر اسم الضابط الأردني، كان بالنسبة لهم مجرد نكرة. وهذا بالضبط هو موقع العربي الخادم للاستعمار، مثل هيام نعواس. مهما قدم يظل مشكوكًا فيه، ولو ضحى بدينه ولغته سيبقى في عيونهم مهاجر عديم القيمة، حتى وإن كلفّته العبودية الأميركية حياته. وتتصوّر السيدة نعواس أنها ستحظى بمصير أفضل، لن يحدث.
ستعرف بحق مأزق العربي عبد الاحتلال عندما تضع صورة نعواس وهي تتشنّج دفاعًا عن ترامب أمام صورة المحلل الإيراني حسن أحميديان. إيراني أجاد لغة العرب، كان يُمكنه أن يعمل لدي المحطات الخليجية كإيراني منشق. يحبون جدًا تلك النوعية، وغالبًا يدفعون لها مئات ألوف الريالات. كل ما عليه فعله هو أن ينتقد الجمهورية الإسلامية ويصف قادتها بالجبن والتهور والعدوانية، لكنه احتفظ بكرامته. درس قضيته، واختزلها في أدق الكلمات توصيفًا، سرعة بديهة وفصاحة عقل، وثبات على مبدأ صلب، وبهم استحوذ بمفرده على الشاشة وإن شاركه فيها 12 ضيفًا. لدرجة أن الأردنية تلك فقدت صوابها وبدأت تقاطعه فأخرسها بثلاث كلمات. فشلت نعواس وأصبحت مضحكة، ونجح أحميديان واكتسب تأييد جماهير العرب. لماذا؟ عدالة القضية ببساطة.
نعواس تلك مجرد دمية خليجية سينتهي دورها بمجرد انتهاء الحرب، لكن المؤلم بحق ليس شخصيها المقيت، بل كونها نموذج معبّر عن طائفة وضيعة من العرب. عاصرت أرواح سبعين ألفًا من أهلها وهي تُمحى في القطاع، فبررت للاحتلال. شاهدت خيرة شباب الأرض يستبسلون في الأنفاق، فنعتوهم بما خجل العدو من قوله. رأت بأم أعينها قادة عظام يتنقلون من شق لشق وهم يحملون سلاحهم، فخاضت في أعراضهم وادعّت إقامتهم في فنادق أسطنبول. ثم انتقلت تلك الطائفة لتكرار ذات الأمر مع إيران، وتوهمّت أن الحرية سيحققها مخبول برتقالي يخرج جهارًا نهارًا ليعبر عن عميق عدائه لهم ولأشد رموزهم قدسية، فلا يأبهون.
أرواحهم قبس من دنس الخنازير ودناءة الضباع، يشاركونك نفس الهواء ويقاسمونك ذات الطرق، لكنهم عليك أشد عداوة من العدى. اليوم تًخرس إيران ألسنتهم، لكننّا نعلم في صميم قلوبنا أنهم العدو المؤجّل، عين الكيان وقلبه النابض في صفوفنا. ولو لا قدر الله نشبت حروب على باقي بلادنا، سنجدهم أول المجندين لمحونا. لكن هيهات، لن تنالوا من الأميركي سوى النكران، ولن تجدوا منّا سوى ما وجدته تلك المتصابية، جُرسة عظيمة واحتقار. لا أحد يحترم الخائن، لا أحد يحترم المتنكر لدينه ووطنه ولسانه، لا أحد يحترم هيام نعواس.
