- عماد العتابي
من يتابع خرجات عبد اللطيف وهبي الأخيرة لا يمكنه ألا يتساءل لماذا وزير العدل تحديدا هو الذي يتصدر المشهد في أحداث سبتة ومليلية؟ ولماذا مُنحت له كل هذه المساحة للحديث عن قضية تتجاوز في طبيعتها اختصاص وزارة العدل، وتمس صميم السياسة الخارجية والسيادة والعلاقات المغربية الإسبانية؟ بالنسبة إليّ، المسألة لم تعد مجرد تصريحات لوزير معروف بشعبويته وجرأته في الكلام. هناك شيء آخر يستحق أن يُقرأ.
وهبي لم يكتف بالحديث عن الجوانب القانونية أو الحقوقية المرتبطة بأحداث سبتة، بل ذهب مباشرة إلى جوهر القضية، مؤكدا تمسك المغرب باستعادة سبتة ومليلية، ومقدما خطابا سياسيا واضحا في قضية شديدة الحساسية مع إسبانيا. وقد أعادت تصريحاته فعلا الملف إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وردت عليها مدريد برفض أي نقاش حول السيادة.
وهنا أطرح السؤال بشكل مباشر، هل يتم إعداد عبد اللطيف وهبي لتولي حقيبة الخارجية في المرحلة المقبلة بدل ناصر بوريطة؟
لا أملك معلومة من داخل الدولة تقول إن هذا القرار اتُخذ، لكنني أرى أن طريقة تقديم وهبي في ملف سبتة تجعل السؤال مشروعا. فحين يبدأ وزير العدل في أخذ مساحة سياسية ودبلوماسية بهذا الحجم في ملف من اختصاص الخارجية والقصر، يصبح من حق المتابع أن يتساءل إن كان الرجل يُختبر أمام الرأي العام في دور أكبر من دوره الحالي.
وما يجعلني أكثر اقتناعا هو أن هذا يحدث في الوقت الذي يبدو فيه حضور بوريطة أقل بروزا في الواجهة الإعلامية لملف وأحداث سبتة، رغم أنه ما زال يتحرك دبلوماسيا في الأزمة. فقد كانت لبوريطة اتصالات مع الجانب الأوروبي بشأن تداعيات الملف، ما يعني أن الخارجية لم تختف من المشهد، لكن اللافت هو أن الوجه السياسي الذي يتحدث أمام المغاربة أصبح هو وهبي.
وهنا لا أستبعد أن يكون الأمر مرتبطا بأخطاء أو حسابات لم تعد الدولة راضية تماما عن طريقة تدبيرها داخل الخارجية. قد تكون هناك ملاحظات على أداء بوريطة في بعض الملفات، وقد يكون المطلوب تغيير طريقة إدارة الخطاب الخارجي، أو حتى إعادة تقديم رجل سياسي أكثر قدرة على مخاطبة الداخل والتعبير عن المواقف الحساسة بلغة مباشرة. لا أملك معلومات دقيقة على أن هذا هو السبب، لكنه أحد التفسيرات التي تستحق أن توضع على الطاولة.
وهبي، بخلاف بوريطة، ليس دبلوماسيا تقنيا. هو سياسي حزبي، يعرف كيف يخاطب الجمهور، وكيف يدخل في المعارك السياسية والإعلامية، وكيف يحول قضية معقدة إلى خطاب واضح وبشعبوية يفهمها المواطن. وربما لهذا السبب بالذات يجري الدفع به إلى الواجهة الآن.
هناك أيضا حزب الأصالة والمعاصرة الذي يبدو أنه يستعد بدوره لمرحلة مختلفة. فدخول فوزي لقجع إلى المكتب السياسي للحزب، قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، ليس حدثا حزبيا عاديا. لقجع يدخل إلى البام بثقل سياسي وإداري وشعبي كبير، وفي توقيت حساس للغاية.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحا بالنسبة إليّ، من جهة وهبي يجري تقديمه في ملفات سياسية وسيادية، ومن جهة أخرى لقجع يدخل إلى القيادة السياسية للبام، والحزب على ما يبدو يدفع به لتصدر المشهد الانتخابي.
هل ما نراه مجرد صدفة؟ أنا لا أعتقد ذلك. أذهب أبعد من ذلك وأطرح فرضية تبدو واقعية ومنطقية. هل يجري إعداد البام لقيادة الحكومة المقبلة، ويتم في الوقت نفسه إعداد وجوهه لتولي أدوار المرحلة المقبلة٦؟
وهنا من حقنا نتساءل، هل يجري إعداد وهبي ليكون وزير الخارجية المقبل؟
هذا السيناريو، بالنسبة إليّ أكثر واقعية. فالحضور الذي بدأ يأخذه الرجل في ملف سبتة ومليلية يمكن أن يكون نوعا من الاختبار السياسي المبكر. زإذا كان المقصود فعلا أن ينتقل وهبي مستقبلا إلى الخارجية، فمن المنطقي أن يبدأ الرأي العام في رؤيته تدريجيا كرجل قادر على الكلام في الملفات الخارجية والسيادية، لا كوزير عدل فقط.
أما بوريطة، فلا أعتقد أن الحديث عن إبعاده يجب أن يكون نهائيا الآن. الرجل ما زال في موقعه، وما زال يدير اتصالات دبلوماسية مهمة. لكن ربما يكون قد بدأ نفوذه السياسي يتراجع، حتى وإن ظل موقعه الرسمي قائما؟
وهذا فرق كبير. فالتهميش السياسي لا يبدأ دائما بإقالة الوزير. أحيانا يبدأ بسحب بعض الملفات من يده أو تقديم وجوه أخرى للواجهة أو السماح لشخصيات جديدة بالتحدث في القضايا التي كانت حصرا من اختصاص الخارجية.
إذا كان دخول لقجع إلى الحزب هو بداية إعداد البام لقيادة المرحلة المقبلة، وإذا كان الحزب يستعد فعلا لتصدر الانتخابات أو لعب دور أساسي في الحكومة المقبلة، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد مستقبل وهبي. نحن أمام احتمال إعادة تشكيل كاملة للواجهة السياسية للحكومة المقبلة، بدعم ومباركة من الدولة العميقة.
أنا لا أقول إن هناك قرارا سريا صدر بإسناد الحكومة المقبلة للبام، ولا أقول إن وهبي أصبح فعلا وزير الخارجية المقبل. لكنني أقول إن التوقيت وطريقة توزيع الأدوار والأسماء التي يجري الدفع بها، تجعل هذا السيناريو أقرب للواقع.
إذا استمر وهبي في الظهور في الملفات الخارجية، وإذا توسعت مساحة حديثه عن القضايا السيادية، وإذا استمر بوريطة في الابتعاد عن الواجهة السياسية لبعض هذه الملفات، وإذا تحول البام إلى مشروع حكومي واضح، فإن فرضية إعداد وهبي للخارجية لن تبقى مجرد تخمين.
قد نكون ببساطة أمام عملية إعداد تدريجية لرجل جديد في الخارجية، بالتوازي مع إعادة بناء حزب إداري مقرب من القصر قادر على قيادة الحكومة المقبلة.
وربما يكون ما نراه اليوم في ملف سبتة مجرد البداية. فهل يجري فعلا إعداد عبد اللطيف وهبي ليكون وزير الخارجية المقبل، بعد مرحلة بوريطة؟ وهل يكون البام، بما يضمه اليوم من وهبي ولقجع وغيرهما، هو الحزب الذي يجري تجهيزه لقيادة المرحلة السياسية المقبلة؟
هذا هو السؤال الذي أعتقد أن علينا مراقبة ما سيأتي من أجل الإجابة عنه.
