الدار البيضاء/ المغرب
في الدار البيضاء، حيث تتشابك الأزقة وتختلط أصوات الباعة بحفيف الريح القادمة من البحر، وُلد نور الدين العواج. منذ صغره، كان يحمل في قلبه شعورًا غريبا بالمسؤولية؛ شعور بأن الإنسان يجب أن يقف ضد الظلم مهما كانت كلفته. لم يكن يدرك حينها أن حياته ستصبح اختبارا مستمرا للروح قبل الجسد، وأن طريقه لن يكون ممهّدا، بل محفوفًا بالصخور، وجسورا تتهاوى تحت أقدام كل من يرفض الانحناء أمام القهر.
نور الدين لم يكن ناشطا عابرا، ولا صوتا يذوب في الزحام. من الريف إلى أقصى نقاط المغرب، كان حضوره ملموسا؛ يقف مع المقهورين، يتضامن مع الأسر التي فقدت أحبائها خلف القضبان، يرفع صوته مع كل معتقل سياسي، ويكون هناك حيث يحتاجه الحق. لم يكن يخاف الجدران، ولا القضبان. كان يعرف أن التضحية ثمنها ثقيل، لكنه اختار أن يدفعه بوعي كامل، لأجل كرامة الإنسان وحقوقه غير القابلة للتجزئة.
سُجن سنتين في عكاشة. سنتان من الصمت القسري، من الليل الطويل، من مواجهة الجدران الباردة. حين خرج بالكاد يبصر، كان العالم بالنسبة له قد بدأ ينهار إلى ظلال متقطعة، ولكن روحه كانت أكثر وضوحًا من أي بصيرة. ويوم أمس، فقد نعمة البصر نهائيًا. لكن ماذا يعني فقد البصر لمن اختار أن يرى بالروح قبل العين؟
نور الدين العواج ليس مجرد مناضل فقد بصره؛ هو نورٌ في العتمة، رمز ثورة داخلية لا تنطفئ. قصته تذكّرنا أن الحرية لا تُقاس بما نرى، بل بما نحمله في قلوبنا، وأن العزيمة حين تسكن الضمير تصبح منارة لا يستطيع أي ظلم إخمادها. هو اليوم، كما كان دائمًا، رسالة لكل من يعتقد أن الجسد يمكن أن يهزم الروح، أن الإنسان حين يقرر أن يكون حرًا لا يمكن لأي قيد أن يوقفه.
قد يكون نور الدين العواج قد فقد بصره، لكنّه لم يفقد بصيرته، ولم تنطفئ في داخله شعلة الوعي ولا صدق الانتماء لقضايا الإنسان. سيطلّ شامخا كما كان دائما، صادقا مع نفسه، وفيًا لمبادئه، ثابتا على درب اختاره بوعي، مهما كانت كلفته. فالعتمة التي حلّت بعينيه لم تستطع أن تطفئ نوره الداخلي، ولا أن تحجب رؤيته العميقة للحق والعدل.
إن نور الدين اليوم، رغم الألم، يعلّمنا أن الكرامة لا تُسجن، وأن الحرية لا تُقاس بما نراه بأعيننا، بل بما نحمله في قلوبنا من إيمان بالإنسان. وسيبقى اسمه شاهدا على أن المناضلين قد يُنهكون جسدًا، لكنهم لا يُهزمون روحا، وأن البصيرة حين تسكن الضمير، لا يمكن لأي قيد أو ظلم أن يطفئها.
