تقرير –
لم يعد الأمر وفق تصريحات بنيامين نتنياهو، مجرد تدخل “إسرائيلي” في المشهد السوري، بل يتجاوز ذلك إلى الحديث عن دور مباشر في هندسة المرحلة التي أعقبت إسقاط نظام بشار الأسد، ورسم حدود النفوذ بين الأطراف التي شاركت في هذا المسار.
نتنياهو، بحسب التصريحات، يتحدث عن اتفاق سبق سقوط الأسد بشهرين، جرى خلاله تحديد مناطق نفوذ كل دولة شاركت في العملية، في مشهد يكشف (كما تصفه الرواية) أن مستقبل سوريا لم يكن شأنا سوريا خالصا، وإنما موضوعا على طاولة تفاهمات دولية وإقليمية تقرر من يملك النفوذ، ومن يدير المؤسسات، ومن يتحكم بالجيش والأمن.
الأخطر في هذه التصريحات أن نتنياهو لا يقدم إسرائيل باعتبارها طرفا مراقبا لما يجري في سوريا، بل باعتبارها صاحبة كلمة ومرجعية في ترتيبات ما بعد الأسد، إلى حد الحديث عن حقها في منح الإذن بإدخال المعدات العسكرية إلى الأراضي السورية، وتهديد تركيا بالتدخل العسكري عند تجاوز ما تم الاتفاق عليه.
وبحسب الرواية ذاتها، فإن أنقرة حصلت على مهمة اختيار الرئيس الانتقالي وإدارة المؤسسات العامة والإشراف على إعادة تشكيل المنظومتين العسكرية والأمنية. أي أن تركيا، في هذا التصور لم تدخل سوريا فقط كقوة نفوذ، بل جرى تكليفها بدور أساسي في إعادة تركيب الدولة السورية من الداخل.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى؛ فمن أسقط الدولة السورية لم يكتفي بإسقاطها، بل يتقاسم النفوذ على أرضها ويحدد لكل طرف مساحة حركته.
فإذا كانت واشنطن وموسكو وأنقرة وتل أبيب قد دخلت في تفاهمات من هذا النوع، فإن ما يجري ليس مجرد صراع على سوريا، وإنما عملية إعادة هندسة كاملة لخريطة البلاد السياسية والعسكرية والأمنية، بحيث تتحول سوريا إلى مناطق نفوذ تتقاطع فيها مصالح القوى الخارجية تتزعمها تل أبيب، بينما يجري تهميش القرار الوطني السوري.
الأكثر دلالة أن نتنياهو يتحدث بلغة من يملك حق توزيع الأدوار وضبط حدود الآخرين، فيظهر وكأنه لا يتعامل مع سوريا باعتبارها دولة ذات سيادة، بل باعتبارها مساحة مفتوحة لإدارة النفوذ وتبادل وتوزيع المصالح والأدوار بين القوى التي ساهمت في إسقاط الدولة السورية المقاومة.
وإذا كانت هذه التصريحات تعكس حقيقة التفاهمات التي جرت خلف الأبواب المغلقة، فإنها تكشف واحدة من أخطر صور التدخل الخارجي في تاريخ سوريا الحديث، فنتنياهو لا يكتفي بإدارة أمن إسرائيل من حدود سوريا، بل يتحدث كما لو أنه يدير قواعد اللعبة داخل سوريا، ويرسم خريطة النفوذ لشركائه في إسقاط الدولة السورية وتسليمها لوكلاء ومشاريع القوى الخارجية.
