محمد المحجوبي
لقد طلبت مني تنسيقية الجمعيات المغربية في أوروبا إلقاء كلمة في حق الشهيد سيون آسيدون، وذلك لربما للتجربة النضالية التي جمعتني مع الفقيد أيام سنوات الرصاص. وتلبيةً لهذا الطلب، فإني سأتطرق بدايةً لموقعه في هذه المرحلة، باعتباره أحد قادة ومؤسسي يسار السبعينات.
فالدور البارز الذي لعبه آسيدون بعد خروجه من السجن في منظمات المجتمع المدني لم يكن إلا امتدادًا طبيعيًا لنفس القناعات الفكرية الأممية، ولنفس الالتزام الراسخ بضرورة النضال ضد الإمبريالية ونصرة القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
فبعد مشاركته في انتفاضة ماي 1968 في فرنسا، وهو شاب في سن العشرين، كانت أول مبادرة نضالية قام بها عند عودته للمغرب هي تشكيل حلقة لدراسة الفكر الماركسي والتجارب الثورية العالمية، وخاصة الثورة الصينية.
لقد تعرفت على الرفيق آسيدون في هذه المرحلة سنة 1969، عندما اجتمعت معه لأول مرة صحبة المرحوم أحمد حرزني. حضر آسيدون ذلك اللقاء بصفته ممثلًا للحلقة الدراسية التي أسسها، ونحن الاثنان بصفتنا ممثلين للخلايا الشبابية التي تكونت من نشطاء انتفاضة مارس 1965. وكان الهدف من ذلك اللقاء، ومن لقاءات مماثلة أجريناها مع حلقة أخرى سُمّيت حلقة فاس، هو توحيد كل المناضلين الثوريين في منظمة واحدة، وهو ما تم تحقيقه في مارس 1970 بتأسيس منظمة “ب”، المنظمة التي سُمِّيت فيما بعد بمنظمة 23 مارس، والتي كان آسيدون عضوًا في قيادتها، قبل أن يعمل مع مناضلين آخرين على إنشاء تيار “لنخدم الشعب”.
لقد حمل آسيدون عدة أسماء مستعارة، من بينها اسم “المعطي”. وفعلاً كان عطاؤه كثيرًا، فاضطلع في قيادة المنظمة الجديدة بعدة مهام حساسة، تتعلق خاصة بالتجهيز والجوانب التقنية في العمل السري. وأبان في ممارسته اليومية عن خصال قلّما تجتمع في شخص واحد: الفعالية والصرامة في العمل، التواضع والبعد الإنساني في العلاقات، الانضباط، التفاؤل الدائم، والترفع عن الذاتيات. كما أنه قدّم بسخاء دعمًا ماديًا هامًا للمنظمة التي كان من مؤسسيها.
لقد تم اعتقال الرفيق آسيدون في يناير 1972 من طرف فرقة من الدرك الملكي جاءت من أكادير إلى الدار البيضاء لإلقاء القبض عليه، وبعدها حُكم عليه، كما هو معروف، بخمس عشرة سنة سجنًا نافذًا بتهمة المس بأمن الدولة وتكوين منظمة سرية تهدف إلى إسقاط النظام الملكي.
لكن سواء داخل السجن أو عند خروجه منه سنة 1984، بقي المعطي معطاءً، ثابتًا في مبادئه، مؤمنًا بأن ما لم يتحقق بعد بالنضال سيتحقق بمزيد من النضال. فمن ترانسبرانسي ضد الرشوة والفساد، إلى حركة BDS، إلى الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع، ظلت نفس المنطلقات الفكرية تقود سيرته وكفاحيته.
وسيَطول الحديث عن مختلف إسهاماته في الحراكات الجماهيرية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، ونكتفي هنا بالإشارة إلى الدور الأساسي الذي لعبه في حملات مقاطعة إسرائيل، وفي البحث عن المعلومات حول البواخر المحملة بالسلاح إلى الكيان الصهيوني، وتواريخ رسوّها في الموانئ المغربية، والتعبئة الجماهيرية ضد تواطؤ الحكم في المغرب مع مجرمي الحرب في غزة.
لقد كان آسيدون، وحده كشخص، رايةً فلسطينيةً في مقدمة حركة التضامن المغربي مع شعب فلسطين.
وإن كفاحية آسيدون، وخصوصية أصله اليهودي، جعلتا التزامه وخطابه أكثر تأثيرًا على الرأي العام الوطني والدولي، وأشد ضررًا بإسرائيل. لقد فضح حكاية تعايش الأديان والهوية المشتركة مع الصهاينة من أصل مغربي، وغير ذلك من السرديات التي يبرر بها النظام تحالفه مع إسرائيل، ويوظفها الكيان لصهينة العقول وتعميق النفوذ الإسرائيلي في المغرب.
إن الحرب التي خاضها سيون آسيدون بدون هوادة ضد المخطط الصهيوني جعلت أحد قادته ينعته بأنه من “أكبر المعرقلين للصداقة المغربية–الإسرائيلية”. وفعلاً، إن آسيدون كان في طليعة المقاومة ضد التطبيع، وضد خطر التغلغل الإسرائيلي في المغرب، فوصفه بوضوح بأنه استعمار جديد، كما أنه لم يتردد في وصف الصهاينة من أصل مغربي بأنهم مستعمرون قتلة وجنود حرب الإبادة.
في خضم هذه المعركة العادلة، سقط سيون آسيدون شهيدًا مقاومًا، كما سقط شهداء غزة.
عادةً، وأمام وفاة غامضة، يطرح المحققون السؤال البديهي: من المستفيد من الجريمة؟ وفي حالة آسيدون، فإن المستفيد البارز هو الحركة الصهيونية، التي ارتكبت في أكثر من بلد عدة اغتيالات سياسية، من بينها نشطاء في حركة BDS، كالمناضل نزار بنات وسماح إدريس. فكيف نستغرب أن يكون آسيدون، مؤسس BDS–المغرب، هو الآخر مستهدفًا من طرف أجهزة الموساد وعملائها؟
إن السلطات المغربية أغمضت العين عن هذه البديهيات في استجلاء الحقيقة، ومنذ البداية قدمت رواية لا يصدقها العقل ولا يقبلها المنطق: سقط آسيدون من سلم وهو يشذب أعشابًا على حائط قصير، مع أن لا أحد رآه يسقط، وطُوي الملف على أنه حادث منزلي!؟
لكن، كيف يمكن لسقطة من علو قصير أن تؤدي إلى كسر عظم الجمجمة، ليس في الجانب الأيمن أو الأيسر من الرأس، بل في وسط الرأس، وبدون أن يحدث السقوط المزعوم من السلم كسرًا أو جرحًا في اليد أو الرجل؟
إن هذا ما يجعل كل مناهضي الصهيونية في المغرب وخارج المغرب يطالبون بالنشر الكامل لتقرير الخبرة الطبية التي أمرت بها النيابة العامة، والقيام بخبرة مضادة، وفتح تحقيق جدي لرفع الغموض المحيط بهذا الحادث، الذي تجعله كل المؤشرات أقرب إلى جريمة اغتيال منه إلى حادث منزلي.
إن هذا الملف لن يسقط بالتقادم، وسيظل مفتوحًا إلى حين انكشاف الحقيقة.
فتحية لروح المقاوم الشهيد سيون آسيدون، ولكل المناضلين الذين أفنوا حياتهم من أجل مغرب حر، ونصرة مقاومة الشعوب المضطهدة.
