تقرير – أمستردام
تتصاعد المخاوف في أوروبا من موجة تفشٍّ لعدوى السالمونيلا، في وقت تتركز فيه التحقيقات على البيض ومنتجات غذائية أخرى باعتبارها مصدرا محتملا للعدوى، بينما تكشف البيانات الرسمية عن إصابة المئات في بلجيكا وهولندا وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية.
وتأتي بلجيكا في صدارة المشهد بعد تسجيل ما لا يقل عن 306 إصابات بالسالمونيلا في تفشٍّ وصف بأنه الأكبر الذي تشهده البلاد، فيما تتواصل عمليات سحب البيض والتحقيق في سلسلة التوريد. ووفق السلطات البلجيكية، ارتبطت الإصابات باستهلاك بيض ملوث مصدره مزرعة للدجاج في منطقة فلاندرز.
بلجيكا.. أكثر من 300 إصابة والبيض في قلب التحقيق
بدأت السلطات البلجيكية التحقيق في التفشي بعد ظهور حالات مرتبطة بالسالمونيلا، قبل أن تتسع دائرة التحقيقات مع اكتشاف صلة بين عدد كبير من المرضى وبيض منتج في مزرعة للدجاج.
وبحسب التقارير المنشورة، تم تتبع البيض إلى شركة Laerco BV، فيما شملت إجراءات السلطات سحب منتجات من الأسواق وإغلاق المزرعة المعنية والتعامل مع الدواجن الموجودة فيها.
وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى مليوني بيضة يُحتمل أنها ملوثة كانت قد دخلت سلسلة التوزيع، وهو ما دفع السلطات إلى تحذير المستهلكين من احتمال وجود بعض المنتجات في المنازل. ولم تُسجل وفيات في التفشي البلجيكي حتى آخر تحديثات منشورة.
هولندا.. تحقيق مستمر في سلالة مرتبطة بتفشٍ أوروبي
ولا تقف تداعيات الأزمة عند الحدود البلجيكية. ففي هولندا، يعكف المعهد الوطني للصحة العامة والبيئة (RIVM) على التحقيق في تفشٍّ لعدوى Salmonella Enteritidis بدأ في عام 2025 وعاد إلى الارتفاع خلال عام 2026.
وبحسب أحدث المعلومات المنشورة من المعهد الوطني الهولندي، بلغ عدد الإخطارات المرتبطة بهذه المجموعة 111 حالة خلال عامي 2025 و2026، بينها 31 حالة خلال 2026. وأعاد المعهد فتح التحقيق في يوليو بعدما لاحظ ارتفاعا جديدا في عدد الإصابات.
ويحاول المحققون تحديد مصدر مشترك للعدوى من خلال استجواب المصابين حول الأطعمة التي تناولوها والأماكن التي تناولوا فيها الطعام. وتشير البيانات الهولندية إلى أن البيض والدجاج من المصادر المحتملة، لكن السلطات تؤكد أن تحديد المصدر النهائي يحتاج إلى مزيد من الأدلة.
بريطانيا.. 474 إصابة في ثلاث مجموعات وبائية
وفي المملكة المتحدة، اتخذت القضية بعدا أكثر اتساعا. فبحسب أحدث البيانات الرسمية، تحقق السلطات الصحية البريطانية في ثلاث مجموعات من تفشي Salmonella Enteritidis. وتشير البيانات إلى أن إجمالي الحالات في هذه المجموعات بلغ 474 حالة في إنجلترا، مع تسجيل حالتي وفاة وفق أحدث التقارير الصحفية.
وتقول وكالة الأمن الصحي البريطانية إن التحقيقات تشير إلى احتمال ارتباط الإصابات ببيض مستورد من الخارج، ولا سيما البيض المستخدم في المقاهي والمطاعم ومطاعم الوجبات الجاهزة.
لكن السلطات البريطانية تؤكد أن التحقيق لم يصل بعد إلى إثبات نهائي لمصدر البيض الملوث، ولذلك يبقى الحديث عن مصدر محدد للعدوى سابقاً لأوانه.
تفشٍّ أوروبي عابر للحدود
الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للسلطات الأوروبية هو أن إحدى سلالات السالمونيلا التي يجري تتبعها في بريطانيا ترتبط أيضاً بحالات في عدد من الدول الأوروبية.
ووفق البيانات التي أوردتها وكالة الأمن الصحي البريطانية نقلاً عن المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC)، تم تسجيل 341 حالة مؤكدة من سلالة Salmonella Enteritidis t5.9411 بين مايو 2025 وأغسطس 2026.
وشملت الحالات المملكة المتحدة وبلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا والنمسا، ما يؤكد أن التحقيق لم يعد مقتصراً على تفشٍّ محلي في دولة واحدة.
وتشير البيانات إلى أن المملكة المتحدة تمثل نحو 61% من هذه الحالات، بينما تمثل هولندا نحو 31%، مع استمرار تسجيل إصابات جديدة في غشت، وهو ما يعني أن التفشي ما زال نشطاً وقيد المتابعة.
هل البيض البلجيكي هو مصدر التفشي الأوروبي؟
هنا تكمن إحدى أهم النقاط التي ينبغي توضيحها للمستهلك. ليس من الدقيق القول إن جميع حالات السالمونيلا المسجلة في أوروبا سببها البيض البلجيكي.
ففي بلجيكا، ربطت السلطات بوضوح التفشي المحلي ببيض ملوث مصدره مزرعة في فلاندرز. أما في التفشي الأوروبي الأوسع، فتعمل السلطات على تحديد ما إذا كانت الحالات المختلفة مرتبطة بمصدر غذائي مشترك.
وفي هولندا، على سبيل المثال، لا يزال المعهد الوطني يبحث عن المصدر، بينما تشير التحقيقات البريطانية إلى أن البيض المستورد يمثل أحد الاحتمالات الرئيسية. لذلك فإن العلاقة بين التفشيات المختلفة لا تزال موضوع تحقيق وبائي وغذائي وليست حقيقة نهائية مثبتة في جميع الدول.
لماذا يصعب اكتشاف مصدر العدوى؟
تكشف هذه الأزمة واحدة من أكثر مشكلات سلامة الغذاء تعقيدا في أوروبا وهي سلاسل الإمداد العابرة للحدود.
فالبيض قد يُنتج في دولة، ويُعبأ أو يوزع في دولة ثانية، ثم يستخدم في مطعم أو مصنع غذائي في دولة ثالثة. وعندما يصاب المستهلك بالمرض بعد أيام من تناول الطعام، يصبح تحديد المنتج المسؤول ومصدره الأصلي عملية تتطلب مقارنة العينات المخبرية مع البيانات المتعلقة بالأغذية التي تناولها المرضى.
وفي بريطانيا، قالت السلطات إن الارتباط بالبيض المستورد ظهر من خلال المعلومات الوبائية والغذائية، لكنها ما زالت تعمل مع الجهات المختصة لتحديد المصدر بشكل قاطع.
ما أعراض السالمونيلا؟
السالمونيلا عدوى بكتيرية تصيب الجهاز الهضمي، ويمكن أن تسبب الإسهال والحمى وتقلصات البطن، وقد تظهر أيضاً أعراض مثل الغثيان والقيء.
وفي معظم الحالات يتعافى المصاب خلال فترة قصيرة، لكن العدوى يمكن أن تكون أكثر خطورة لدى بعض الفئات، خصوصاً الأطفال الصغار وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة.
ماذا يجب أن يفعل المستهلك؟
تنصح السلطات الصحية باتباع قواعد أساسية للحد من خطر الإصابة، أبرزها:
- طهي البيض جيدا، خصوصا بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
- عدم تناول أي بيض أو منتجات غذائية مدرجة ضمن قوائم السحب الرسمية.
- غسل اليدين جيداً بعد التعامل مع البيض النيئ.
- تنظيف الأسطح والأدوات التي لامست البيض النيئ.
- حفظ الأغذية وفق تعليمات التخزين الموجودة على العبوة.
- توخي الحذر عند تناول أطعمة تحتوي على بيض نيئ أو نصف مطهو خارج المنزل.
وفي بريطانيا، أكدت السلطات أن الخطر على عامة السكان ما يزال منخفضاً، لكنها أوصت الأطفال الصغار والحوامل وكبار السن بتجنب البيض النيئ أو قليل الطهي ما لم يكن ضمن الأنظمة المعتمدة للبيض الآمن.
من بلجيكا إلى هولندا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، تحولت السالمونيلا إلى قضية تتجاوز حدود الإصابة الفردية لتصبح اختبارا لمنظومة سلامة الغذاء الأوروبية.
وبينما بات مصدر التفشي البلجيكي المرتبط بالبيض أكثر وضوحا، لا يزال المصدر النهائي للتفشي الأوروبي الأوسع قيد التحقيق.
وفي انتظار نتائج التحقيقات، تبقى الرسالة الأهم للمستهلك لا داعي للهلع، لكن يجب الالتزام بتحذيرات سحب المنتجات وطهي البيض جيدا والتعامل مع البيض النيئ باعتباره منتجا يحتاج إلى عناية خاصة.
