تقرير/
لم يأتِ باتريس لومومبا إلى المغرب هذه المرة في صورة قائد إفريقي تتنازعه الكتب المدرسية والخطب الرسمية، بل عاد في هيئة ذاكرة تمشي على قدمين، جسد صامت يقف في مدرجات كرة القدم كأنه يرفض أن يجلس مع النسيان. وسط ضجيج كأس إفريقيا، حيث تُختزل القارة في تسعين دقيقة ونتيجة مباراة.
ظهر في المدرجات واقفا، صامتا وجامدا في جسد مشجع كونغولي واحد، بينما كانت الملاعب تضجّ بالهتاف، وكانت الكاميرات تبحث عن الأهداف لا عن الأشباح. ذلك الرجل الذي وقف تسعين دقيقة امتدت في بعض المباريات إلى 120 دقيقة دون أن يرمش، لم يكن يشجّع فريقا، كان يستدعي محكمة.. وكان المغرب في قفص الاتهام.
هذا المشهد لم يكن جديداً على الملاعب الإفريقية، فالمشجع نفسه جسّد لومومبا في بطولات سابقة، لكن صوره لم تتحول إلى حدث عابر للحدود إلا في المغرب. هنا فقط اكتسب الصمت ثقلاً إضافياً، لأن المكان ليس بريئاً في ذاكرة الكونغو. المغرب لم يكن مجرد بلد مضيف، بل فضاءً تاريخياً ارتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بسقوط أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً في الكونغو المستقلة.
بعد أشهر قليلة من استقلال الكونغو سنة 1960، دخلت البلاد في دوامة من الفوضى، تمرد في الجيش، انفصال إقليم كاتانغا الغني بالمعادن، وتدخلات دولية سافرة لحماية مصالح القوى الاستعمارية القديمة. في خضم هذا المشهد، أُرسلت قوات تابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام، وكان من بينها قوات مغربية يقودها الجنرال بن حمو الكتاني. المهمة المعلنة كانت حماية الاستقرار والمؤسسات الشرعية، لكن ما جرى على الأرض سار في اتجاه آخر.
في سبتمبر من العام نفسه، نفذ الكولونيل جوزيف موبوتو انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة لومومبا. الانقلاب لم يكن عملاً داخلياً معزولاً، بل عملية مدعومة من الولايات المتحدة وبلجيكا، ووجدت على الأرض تسهيلات من أطراف كان يفترض أن تكون محايدة. هنا تبرز الاتهامات التي وُجهت آنذاك إلى القيادة العسكرية المغربية بالمشاركة في عزل لومومبا، أو على الأقل غض الطرف عن إسقاطه، في لحظة كان فيها ميزان القوة هشا، وكان أي انحياز كفيلا بتغيير مصير بلد بأكمله.
الصحافة المغربية المعارضة في تلك الفترة لم تصمت. كتبت عن “خيانة تاريخية”، واعتبرت ما جرى عاراً سياسياً وأخلاقياً. لكن هذه الأصوات أُسكتت، وطُويت الصفحة، وبقيت الرواية الرسمية نظيفة من أي شبهة. أما لومومبا، فقد تُرك وحيداً في مواجهة آلة دولية لا ترحم.
اعتُقل الرجل، وعُذّب، ونُقل إلى كاتانغا، حيث أُعدم في يناير 1961. لم يكتفِ جلادوه بقتله، بل سعوا إلى محوه بالكامل، إذ قُطّعت جثته وأُذيبت في الحمض، في محاولة لمحو الرمز قبل الجسد. ومع ذلك، فشلوا. بقي لومومبا حيا في الذاكرة الإفريقية، رمزا للكرامة والسيادة والكفاح والتحرر الوطني والخيبة الكبرى.
أما موبوتو، الذي لعب دور المنفذ المحلي للجريمة، فقد حكم الكونغو لعقود طويلة، بدعم غربي واضح، وحوّل بلاده إلى ملكية خاصة. وعندما سقط أخيرا سنة 1997، لم يُحاكم، ولم يُحاسب، بل وجد ملجأً آمناً في المغرب. استُقبل هناك كحليف قديم وصديق للملك الحسن الثاني، وعاش أيامه الأخيرة بعيدا عن شعبه، قبل أن يُدفن في الرباط. قبره لا يزال موجودا، بلا ضجيج، وبلا أسئلة.
هنا تتضح دلالة المشهد في المدرجات. المشجع الكونغولي الأسطورة كان يعيد فتح ملف أُغلق قسرا. جسده الثابت كان يقول ما لم يُقل رسمياً؛ إن الذاكرة الإفريقية لا تنسى، وإن الجرائم التي لم تُحاسب تعود دائما في أشكال غير متوقعة. وفي لحظة رياضية عابرة، تحولت المدرجات إلى منصة اتهام، وتحول الصمت إلى خطاب.
لومومبا لم يعد إلى المغرب ليصافح الماضي، بل ليكسره. عاد ليقف شاهدا لا متهما، لأن الشاهد حين يصمت يصبح الاتهام أبلغ. وفي مدرجات كرة القدم، حيث يُفترض أن يُنسى كل شيء بعد صافرة النهاية، فرض حضوره حقيقة واحدة؛ أن التاريخ لا يُطوى، بل يُؤجَّل فقط. وأن إفريقيا التي صُودرت قراراتها بالأمس، ما تزال تدفع ثمن الخيانات التي لُبِّست ثوب الحياد.
ذلك الجسد الجامد لم يكن فردا، بل ذاكرة جماعية ترفض المصالحة مع الكذب، وتُذكّر بأن الدول، مثل الأفراد، لا تُقاس بما ترويه عن نفسها، بل بما حاولت إخفاءه. لومومبا لم يُغتل مرة واحدة في كاتانغا؛ يُغتال كلما صُمت عنه ويعود كلما قرر أحدهم أن يقف.
