CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 82?
- عماد العتابي
هناك تصريحات تمرّ أمامك كغيرها، ثم هناك جملة واحدة تجبرك على التوقف. وسط عشرات التصريحات التي خرجت من أفواه الشباب المغاربة الذين اندفعوا نحو سبتة في ذلك اليوم المشؤوم، استوقفني شاب قال، بما يشبه الاختصار القاسي لمأساة كاملة؛ نحن لم نهرب من المغرب، نحن هربنا من حرب تُشن علينا. قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مبالغا فيها، وقد يرفضها من يريد اختزال ما حدث في ملف الهجرة أو الفقر أو غضب عابر، لكنها في الحقيقة تفتح الباب أمام السؤال الذي تحاول السلطة السياسية أن تتجنبه؛ ماذا يحدث عندما يبدأ المواطن في النظر إلى وطنه باعتباره ساحة حرب، وإلى الهجرة باعتبارها طريق نجاة؟
لا يتعلق الأمر هنا بتعريف الحرب وفق قاموس الجيوش والجبهات وراجمات الصواريخ والرصاص. فهناك حروب لا تحتاج إلى دبابات كي تترك آثارها، ولا إلى جبهات كي تسقط ضحاياها. هناك حرب صامتة يخوضها النظام السياسي ضد المواطن، هذا المواطن الذي يقاتل كل يوم ضد البطالة، وضد التهميش، وضد الإقصاء، وضد الإحساس بأن ثروات بلاده وقراراتها تُدار بعيدا عنه، وأنه مطالب دائما بالصبر بينما تتسع أمام عينيه الفوارق بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون حتى حق السؤال. وعندما يتحول هذا الإحساس من تجربة فردية إلى شعور جماعي، فإن ما يبدو للسلطة “أزمة هجرة” قد يكون في الحقيقة أزمة ثقة عميقة بين الدولة وجزء كبير من مواطنيها.
لهذا فإن اختزال مأساة سبتة في صورة آلاف الشباب وهم يحاولون عبور الحدود هو تبسيط مريح، لكنه خطير. الصورة الحقيقية تبدأ قبل الحدود بسنوات، داخل الأحياء المهمشة، وفي المدارس التي لم تعد تضمن الصعود الاجتماعي، وفي سوق عمل يترك أعدادا كبيرة من الشباب أمام مستقبل ضبابي، وفي شعور متزايد بأن المكان الذي وُلدوا فيه لا يمنحهم بالضرورة الحق في أن يحلموا. الشاب الذي يخاطر بحياته من أجل عبور بضعة كيلومترات لا يُولد فجأة في صباح يوم الهروب؛ إنه نتاج من عقود حرب تشن ضد الشعب.
من هنا تبدو عبارة “الهروب من الحرب” أكثر عمقا مما قد توحي به للوهلة الأولى. إنها ليست بالضرورة وصفا لحرب عسكرية قائمة، بل توصيفا لشعور سياسي واجتماعي بأن المواطن يخوض معركة يومية من أجل أبسط شروط الحياة الكريمة. وفي الدول التي تنجح في بناء الثقة، يستطيع المواطن أن يحتج وأن يغضب وأن يختلف، لكنه يبقى مقتنعا بأن مستقبله مرتبط بمستقبل وطنه. أما حين تنكسر هذه الرابطة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخرج المواطن إلى الشارع، وإنما أن يقرر مغادرته إلى الأبد.
كيف يمكن لبلد يقدّم نفسه باعتباره دولة مستقرة وذات مؤسسات ومشاريع كبرى وملاعب عالمية عملاقة ورئيس جامعة كرة قدم يتم تأليهه اسمه لقجع أن يصل إلى اللحظة التي يصبح فيها أغلب شبابه مستعدا للموت كي يغادره؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بإلقاء المسؤولية على الشباب أو على شبكات الهجرة أو على “أعداء الوطن” أو على الجزائر. لا تقدم جوابا مقنعا ومنطقيا على أصل المشكلة.
وإذا كانت سبتة قد كشفت شيئا، فهي كشفت حجم الهوة بين صورة المغرب التي تُعرض في الخطب الملكية والتلفزيون الرسمي وبين المغرب الذي يعيشه أغلب المغاربة. خلف صور المشاريع الكبرى والاستثمارات والواجهات الحديثة توجد طبقات اجتماعية تشعر بأنها لا تحصل شيء من ثروة البلاد أو تحصل إلا على الفتات، وشباب يحملون شهادات أو أحلاما أكبر من فرصهم، وأسر تنظر إلى أوروبا لا باعتبارها مكانا للترف، وإنما باعتبارها آخر احتمال للخلاص. المشكلة إذن، ليست أن المغرب لا يملك موارد أو إمكانات؛ المشكلة هي أين تذهب هذه الموارد والثروة الوطنية ومقدرات الشعب المغربي؟
لكن وسط كل هذه الأسئلة السياسية، هناك حقيقة واحدة لا تحتاج إلى نظرية مؤامرة كي تكون مخيفة؛ آلاف الشباب المغاربة غامروا بحياتهم من أجل الخروج من بلدهم. وهذه الحقيقة وحدها كافية لفتح تحقيق وطني جدي حول جذور الظاهرة، وحول مسؤولية الدولة، وحول الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي أوصلت هؤلاء إلى تلك اللحظة.
أما عن مقتل أكثر من مئة شاب وشابة في ذلك اليوم، فنحن أمام مأساة لا يجوز أن تُدفن في سبتة أو في أرشيف الأخبار، بل يجب فتح تحقيق مستقل يحدد عدد الضحايا الحقيقي لأن حياة الإنسان المغربي تفصيلا هامشيا في قصة عن “الهجرة غير النظامية”. إنهم مواطنون كان ينبغي أن تكون الدولة أول من يحميهم، لا أن تتعامل مع موتهم كتكلفة جانبية لأزمة الهجرة.
والمؤلم في هذه القصة أن هؤلاء الشباب لم يكونوا في طريقهم إلى الحرب، بل كانوا في طريقهم للهروب منها كما شعروا بها. لم يحملوا مشروعا لغزو بلد آخر، ولم يطلبوا امتيازات استثنائية؛ كانوا يبحثون عن مكان يعتقدون أنه يمكن أن يمنحهم فرصة أخرى للحياة.
ربما لهذا السبب تحديدا استوقفني ذلك الشاب. لأنه لم يتحدث بلغة السياسيين ولا بلغة البيانات الرسمية. لم يستخدم مصطلحات أكاديمية عن التنمية أو العدالة الاجتماعية أو أزمة الثقة. قال شيئا بسيطا ومخيفا؛ نحن هربنا من الحرب. وفي هذه الجملة، سواء اتفقنا مع توصيفه أم اختلفنا، تكمن شهادة سياسية لا يجوز تجاهلها.
فالأنظمة لا تسقط فقط عندما تخرج الجماهير إلى الشوارع، ولا تفقد شرعيتها فقط عندما تُهزم في صناديق الاقتراع. أحيانا تبدأ الأزمة الحقيقية في اللحظة التي يتوقف فيها المواطن عن محاولة تغيير وطنه ويبدأ في محاولة تركه. وحين تصبح الحدود حلما والوطن سجنا في مخيلة أبنائه، فإن إغلاق الحدود لا يحل المشكلة؛ إنه يؤجل انفجارها فقط.
إن مأساة سبتة ليست في أن عشرات آلاف الشباب حاولوا عبور الحدود فحسب، بل في أن كثيرا منهم لم يعودوا يرون داخل حدود وطنهم سببا كافيا للبقاء. وهذه في نهاية المطاف ليست أزمة حدود. إنها أزمة دولة ونظام سياسي.
