- عماد العتابي
ليس كلّ ما يُقال عن النفوذ مجرّد مبالغة، ولا كلّ ما يُسوّق كـ”دور إقليمي” بريء من الحسابات. ففي قلب هذا المشهد، تقف قطر بوصفها حالة صارخة لدولة صغيرة في الجغرافيا، كبيرة في التدخلات، فائقة التأثير حين يتعلّق الأمر بمصائر شعوب بأكملها، تأثير يتغذّى على الفوضى لا على الاستقرار.
من ليبيا إلى سوريا، يتكرّر الخيط نفسه.. مليارات الدولارات تدفّقت نحو جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، وتحولت إلى وقود مباشر لصراعات مزّقت الدول الوطنية. فالأمر لم يكن دعما سياسيا مبدئيا، بل تمويلا منظّما لجماعات مسلّحة وتنظيمات إرهابية مرتبطة بـ الموساد والمخابرات الأمريكية ساهمت في تخريب بنية الدول، وإدخالها في دوامات عنف لا تنتهي، وهنا لا يعود الحديث عن “دعم ثورات”، بل عن دور شيطاني واضح في تفكيك المجتمعات وإعادة تشكيلها على أسس هشة بما يخدم المشروع الصهيوني في المنطقة.
وفي الخلفية، تقف الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها، قطر تحتضن أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط. هذه ليست مجرد معطى عسكري، بل عنوان سياسي ثقيل، يربط الدوحة مباشرة بآلة القتل الأمريكية التي قادت حروبا أودت بحياة ملايين المسلمين في المنطقة. فكيف إذن يمكن التوفيق بين هذا الواقع وخطاب “نصرة الشعوب”؟ وأي ازدواجية هذه التي تجمع بين خدمة أهداف أعداء شعوب المنطقة، وتقديم الذات كصوت للمظلومين؟
ثم تأتي قناة الجزيرة، التي تتحول في هذا السياق من وسيلة إعلام إلى ما يشبه غرفة عمليات حرب/إعلامية. لكونها ليست مجرد ناقل للخبر، بل مصنع لسرديات العدو، وأداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فيُضخَّم ما يخدم السردية الصهيوأمريكية، ويُهمَّش ما يعارضه، وتُستهدف العقول كما تُستهدف الأرض. إن هذه القناة لم تُنشأ إلا لتكون رأس حربة في معركة الوعي، تمهيدا لكل المعارك والحروب التي تشنها أمريكا وإسرائيل على هذه الأمة.
وفي سوريا، تتكثف الصورة إلى حدّها الأقصى. حيث أنفقت قطر المليارات على الجماعات المسلحة وشراء الذمم وكي الوعي السوري عبد قناتها الجزيرة. والنتيجة لم تكن سوى تدمير بلدٍ كامل، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وقتل وتشريد شعبه. سوريا الجميلة والمقاومة، أصبحت ساحة مستباحة بفعل التدخلات الخارجية، كان لقطر فيها دور شيطاني مركزي لا يمكن إنكاره.
ولا يقف المشهد عند حدود الخارج. في الداخل القطري، يُرسم خط أحمر واضح لكل من يخرج عن الرواية الرسمية. فاعتُقل من عبّر عن تأييده لإيران وعُذب وهُدد، حتى من كانوا ضيوفا دائمين على شاشة الجزيرة أو باحثين في مراكزها. عشرات المعتقلين من بداية العدوان الصهيوأمريكي على إيران لأنهم قالوا ما لا يتوافق مع الخط السياسي الشيطاني لحكام قطر عملاء إسرائيل وأمريكا. في المقابل، تُفتح منابر الجزيرة لأصوات تدعو صراحة إلى قتل المدنيين في إيران واستهداف بنيتها التحتية والمدنية، للضغط على النظام الإيراني لدفعه للاستسلام.
هنا تتبلور المفارقة. دولة تُقدّم نفسها صديقة لشعوب المنطقة، بينما هي في الحقيقة تعمل كامتداد لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، أو كـ“روح” لهما في المنطقة، تمارس الدور ذاته لكن بلغة مختلفة.
عندما تجتمع هذه العناصر؛ المال، والإعلام، والتحالفات العسكرية، والقمع الداخلي. فإننا لا نكون أمام سياسة عادية، بل أمام مشروع متكامل لإعادة تشكيل المنطقة. مشروع يجعل من الخيانة، واقعا يوميا يُبثّ صوتا وصورة، ويُقدَّم كوجهة نظر.
وتبقى قطر لاعبا محوريّا في صناعة الخراب والفوضى في المنطقة. من التمويل إلى الإعلام والتحالفات. لقد لعبت الدوحة دورا مباشرا في تفكيك الدول وإطالة أمد الصراعات، بينما تسوّق لنفسها صورة الصديقة الداعمة للشعوب. هذا التناقض يجعل من قطر عنصرا أساسيا في الأزمة الإقليمية، ويؤكد أن مواجهة دورها التخريبي هو شرط لا غنى عنه لفهم الحقيقة واستعادة الاستقرار.
