عماد العتابي/
ليس من العبث أن تُقاس جودة الحكامة في الدول بكيفية تدبيرها للأزمات، ولا من المبالغة القول إن لحظة الطوارئ تكشف عُري القرار أكثر مما تستره البلاغات الرسمية. وما تشهده مدينة القصر الكبير في الأيام الأخيرة يضع هذا المبدأ على محك حقيقي، بعدما وجدت ساكنة عدد من الأحياء نفسها مطالَبة بمغادرة منازلها في منتصف الليل، دون تمهيد أو تواصل مسبق، بدعوى الخوف من غرق المدينة.
غير أن ما يزيد الوضع قتامة، أن الأمر لم يعد إجراءً استثنائيا مرتبطا بليلة واحدة أو ظرف طارئ عابر، بل تحوّل إلى قرارات تتكرر تقريبا بشكل يومي منذ أسبوع تقريبا، بنفس الأسلوب، ونفس التوقيت، ونفس الغموض. وهو ما يطرح سؤالا مشروعا ومقلقا، هل نحن أمام سوء تقدير متكرر؟ أم أمام نمط تدبير ممنهج، لا يرى في المواطن سوى عنصرا قابلا للإخلاء متى دعت الحاجة، دون شرح أو إشراك أو احترام؟
في زمن يُفترض فيه أن يكون التخطيط الاستباقي والتواصل الواضح أساس تدبير المخاطر، اختارت السلطات المحلية في القصر الكبير منطق المفاجأة والارتجال. لا إشعار نهاري، لا معطيات دقيقة، ولا أي محاولة لتهيئة الأسر نفسيا واجتماعيا. قرارات تُلقى في ساعات متأخرة من الليل، وكأنها أوامر تقنية صمّاء، لا تخص عائلات تضم أطفالا، ومرضى، وكبار سن، يعيشون اليوم على وقع قلق دائم، لا يعلمون إن كانوا سينامون في بيوتهم أم سيُطلب منهم مغادرتها عند منتصف الليل.
قد يتفهم المواطن الخطر، وقد يقبل التضحية حين يشعر بأن هناك رؤية واضحة ومسؤولية مشتركة، لكن ما يصعب استيعابه هو تحويل الخوف إلى روتين يومي. فكيف يمكن للناس أن يعيشوا في حالة استنفار دائم؟ وكيف يُطلب من الأطفال التعايش مع الإخلاء كجزء من حياتهم اليومية؟ وهل بات الخطر لا يظهر إلا ليلا، أم أن القرارات تُؤجَّل عمدا إلى توقيت يُربك الناس أكثر مما يحميهم؟
إن إصدار قرارات مصيرية، متكررة، وفي توقيت ليلي، لا يعكس فقط ارتباكا في التدبير، بل يوحي بغياب الحس الإنساني والسياسي معا. فالسلطة، حين تفشل في التواصل، تفقد جزءا من مشروعيتها، وحين تُنهك مواطنيها نفسيا بدل طمأنتهم، فإنها لا تدير أزمة بقدر ما تُعمّقها. فالإحساس بالخطر، حين يتكرر بلا تفسير ولا أفق، يتحول من إجراء وقائي إلى شعور بالإذلال والعجز.
المطلوب اليوم ليس التقليل من حجم المخاطر، ولا التهوين من احتمال الفيضانات والغرق، بل تغيير جذري في أسلوب التعامل معها، بتواصل واضح وفي وضح النهار، وخطط مُعلنة وتنسيق مع الساكنة، واحترام لكرامة الناس حتى في أقسى الظروف. فالسلامة لا تتحقق بالأوامر الفجائية، بل بالثقة.
وإذا كان الخوف من الفيضانات مبرَّرا، فإن الخوف من سلطة تُدير الأزمات بلا تواصل ولا رحمة أخطر. فالدولة التي تعجز عن طمأنة مواطنيها نهارا، وتختار إرباكهم ليلا، لا تحميهم بل تدفعهم إلى فقدان الثقة في كل قرار يصدر باسم السلامة. وما يحدث بالقصر الكبير لم يعد مجرد تدبير ظرفي لمخاطر محتملة، بل صار اختبارا حقيقيا لمعنى المسؤولية والسلطة.
لقد تعب الناس من العيش بحقائب جاهزة وأعصاب مشدودة، ومن الاستيقاظ المتكرر على قرارات الإخلاء، وكأن القلق أصبح قدرا يوميا مفروضا عليهم. والتاريخ لا يُحاسب فقط على الكوارث الطبيعية، بل أيضا على الطريقة التي وُوجهت بها. فإما أن تُدار الأزمات بعقل الدولة وروح الإنسان، أو ستُسجَّل قرارات منتصف الليل كوصمة في سجل حكامة فشلت في أبسط واجباتها وهي “احترام المواطن”.
