علي أنوزلا
عام 2015، تظاهر ما يقرب من مليوني شخص في شوارع العاصمة الفرنسية باريس، تكريمًا لضحايا الهجمات الإرهابية التي خلّفت 17 قتيلاً، كلهم صحافيون وعاملون في جريدة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة. ورفع المتظاهرون شعارا واحدا يقول “كلنا شارلي إيبدو”، في إشارة إلى أن الضحية هي حرية الصحافة أولا وأخيرا.
ومن بين المتظاهرين كان يوجد رؤساء دول وحكومات من بينهم مجرم الحرب بنيامين نِتِن ياهو، الذي يظهر في الصورة في الصف الأمامي الذي قاد تلك المسيرة التي وصفتها السلطات الفرنسية بأنها “غير مسبوقة” من حيث حجمها، في تاريخ الجمهورية الفرنسية.
وبالرغم من اختلاف الكثيرين مع “الخط التحريري” للجريدة الفرنسية، التي غالبا ما تلجأ إلى “الاستفزاز” للفت الانتباه إلى ما تنشره بحثا عن الانتشار لرفع مبيعاتها، إلا أن جريمة قتل صحافييها خلَّفت تعاطفا عالميا كبيرا عبر جميع القارات، وحتى أولئك الذين لا يتفقون مع خطها التحريري تضامنوا معها من حيث المبدأ لأن حرية التعبير تبقى مقدسة والحق في الاختلاف مشروع، والصحافة الحرة هي التي تضمن ممارسة هذه الحرية وهذا الحق في نوع من الانسجام والتناغم التَّامين.
اليوم نحن أمام جرائم أكبر بكثير من الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة صحافيي “شارلي إيبدو”، جريمة مستمرة من قبل السابع من أكتوبر 2023، تستهدف الصحافيين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين الذين يفضحون جرائم الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ترتكبها شرطة وجيش وأجهزة دولة توصف في الغرب بأنها “واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط”، تقتل وتغتال، عن سبق إصرار وترصد، الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بهدف واحد هو إخراس أصواتهم حتى تنفذ جرائمها بعيدا عن أنظار العالم.
خلال 22 شهرا الماضي، اغتالت إسرائيل 238 صحافية وصحافيا فلسطينيا في قطاع غزة، بهدف واحد، تحييد الشهود الذين كانوا يوثقون جرائم الاحتلال وينقلونها إلى العالم، وأحدث جرائم إسرائيل اغتيال ستة صحافيين في ريعان شبابهم، ليلة الأحد الماضي، وهم نيام تحت خيمتهم المهترئة في ساحة مستشفى “الشفاء” بمدينة غزة المدمرة. كل هذه الجرائم لم تنسب لمجهولين، وإنما تبنتها دٌوّلية إسرائيل الاحتلالية الاستيطانية، ما يجعلها تٌصنَّف ضمن جرائم “إرهاب الدولة”، كما أشار إلى ذلك أحدث بيان صادر عن منظمة “صحافيون بلاحدود”، عندما تحدث عن “الاغتيالات الممنهجة” التي تعتمد “استراتيجية متعمدة للتعتيم الإعلامي”.
جريمة اغتيال الصحافي الفلسطيني الشاب أنس الشريف وزملائه، في أحدث مجازر المحتل الإسرائيلي، تٌساءلنا جميعا، في الشرق والغرب، لأن المجرم هذه المرة لم يختف وراء تبريرات واهية، أو يدعي فتح تحقيقات مسرحية لدر الرماد في العيون التي لا تٌبصر، وإنما اصدر بيانا واضحا يعبر فيه صراحة عن مسؤوليته الكاملة، وعن سبق إصرار وترصد، في اغتيال الصحافيين الشباب وهم نيام تحت خيمة في ساحة بمستشفى في مدينة محاصرة ومدمرة!
إذا كانت جريمة باريس عام 2015، قد هزت العالم، وجعلت الملايين يشاركون في مسيرات في أكثر من دولة ليس فقط للتضامن مع الضحايا، وإنما أيضا للتعبير عن خوفهم على حرية الصحافة، فإن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عدة سنوات، وما جرى ويجري في غزة طيلة زهاء العامين من جرائم بشعة تستهدف الصحافيات والصحافيين تستوجب منا جميعا رفع أصواتنا عاليا ليس فقط للتعبير عن التضامن مع الضحايا، لأن هؤلاء أبطال اختاروا الموت بشرف لإظهار حقيقة الجرائم والظلم الذي يتعرض له شعبهم، وإنما للمطالبة بمحاسبة المجرمين والمتواطئين معهم، لأن المستهدف الأول والأخير هو الحقيقة التي لا يريدون فقط تزويرها وإنما دفعنا إلى الإيمان بأنها ليست مزورة.. هذه معركتنا جميعا من أجل الانتصار للحقيقة.. ومسؤوليتنا تجاه المستقبل حتى تنتصر الحرية.. هذه هي وصية الصحافيين الشهداء.. وهذا هو واجب العزاء الذي ينتظره منا كل أهل وأصدقاء وزملاء شهداء الحقيقة..
