عماد العتابي
لم تكن ضربة الجزاء التي أهدرها إبراهيم دياز مجرد كرة لم تعبر خط المرمى، بل كانت لحظة كاشفة، لحظة سقطت فيها كل الأقنعة دفعة واحدة. والسؤال الحقيقي ليس لماذا لم يسجل دياز، بل.. لماذا وُضع دياز أصلا في وضعية لا تسمح له بأن يسجل؟ من هنا يجب أن يبدأ التحليل، خارج منطق “أخطأ اللاعب” و“تألق الحارس”.
دياز لم يقف أمام الحارس السنغالي فقط، بل وقف أمام دولة، صورة، رأي عام، واستحقاق دولي قادم اسمه كأس العالم. وقف أمام مباراة خرجت من إطارها الرياضي منذ لحظة انسحاب السنغال. في تلك اللحظة، لم تعد الكرة كرة، ولم يعد المرمى مرمى، بل أصبح الهدف سؤالا سياسيًا؛ ماذا سيحدث لو سُجل؟ ومن سيدفع الثمن لو دخلت الكرة الشباك؟
في كرة القدم الطبيعية، الانسحاب يعني الخسارة. القانون واضح ولا يعرف العواطف. لكن ما حدث يوم أمس كشف أن القانون كان آخر ما يُفكَّر فيه. كان هناك رهان أكبر: “صورة المغرب”. صورة البلد المنظم، الهادئ، المتحكم، الذي لا يدخل في صراعات ولا يحرج ضيوفه، خصوصا وهو يتأهب لحدث عالمي. ما حول المباراة من نهائي كأس إفريقيا إلى عرض دبلوماسي مباشر على الهواء.
في هذا السياق، يصبح إهدار ضربة الجزاء ليس فعلا فرديا، بل نتيجة منطقية لوضع غير طبيعي. دياز لم يكن حرا نفسيًا. الحرية شرط أساسي للتسجيل، والحرية غابت تماما. الانتظار الطويل، الفوضى، انسحاب الخصم، الكاميرات، الهمس في الكواليس، الرسائل غير المباشرة، كلها صنعت لحظة مشوشة، لحظة لا تُسجَّل فيها الأهداف بل تُرتكب فيها الأخطاء.
الأكثر دلالة ليس ما فعله دياز، بل ما فعله من حوله. مشهد مدرب ولاعبين يتوسلون فريقا منسحبًا للعودة لا يمكن قراءته رياضيًا. هذا مشهد سياسي بامتياز. مشهد دولة تخشى أن تنتصر “بالقانون”، فتفضل أن تخسر “بالتفاهم”. هنا يظهر الخوف على “صورة المغرب”.
المفارقة أن التضحية بدياز كانت محسوبة نفسيًا أيضا. اللاعب محبوب، جماهيري، وسيُسامَح. الجمهور سيقول: “مسكين، ضغط النهائي”. وهكذا تُمرَّر الخسارة دون انفجار داخلي. واللاعب يتحمل الصدمة، بينما المنظومة تحافظ على توازنها الظاهري. إنها ليست أول مرة يُستخدم فيها اللاعب كوسادة صدمات.
ما حدث يوم أمس لا يقول إن المغرب ضعيف كرويًا، بل يقول إن الإدارة تخاف من لحظة الصدام. تخاف من أن تظهر حازمة، تخاف من أن تطبق القانون إذا كان ثمنه إحراجا خارجيا. وهذا أخطر بكثير من ضربة جزاء ضائعة. لأن كرة القدم لا تُقاس بالأهداف فقط، بل بالمواقف.
يجب أن نعترف أن ضربة الجزاء التي لم تُسجل لم تكن فرصة ضائعة، بل كانت مرآة. مرآة أظهرت كيف تتحول الرياضة إلى سياسة، وكيف يُطلب من اللاعب أن يدفع ثمن قرارات لم يتخذها، وكيف يمكن لمباراة واحدة أن تكشف ما تحاول الخطابات الرسمية إخفاءه منذ سنوات؛ أن صورة الدولة أصبحت أهم من شعور شعبها، وأن الخسارة الهادئة أفضل من انتصار “مزعج”.
