- إلياس المرابط
لا يمكن فهم الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت إيران في عامي 2025 و2026 بوصفها أحداثاً عسكرية معزولة، بل ينبغي النظر إليها في إطار مسار أوسع من الضغوط السياسية والاقتصادية الممتدة. فقد سعت إيران، خلال السنوات الماضية، إلى توسيع هامش استقلال قرارها السيادي، وهو ما وضعها في مواجهة مباشرة مع توازنات دولية قائمة لا تقبل الخروج عن قواعدها. لذلك، فإن توصيف الوضع الحالي باعتباره “انهياراً” يبدو تبسيطاً مفرطاً وتسطيحاً للمشهد، إذ يعكس الواقع في جوهره كلفة مرتفعة ومحتومة تتحملها الدول عندما تحاول إعادة تموضعها بشكل مستقل داخل النظام الدولي المتمركز حول القوى الكبرى.
يمكن تفسير التجربة الإيرانية المعاصرة من خلال ما يُعرف باقتصاد “التكيّف تحت الضغط”، حيث تؤدي القيود الخارجية الصارمة إلى إعادة تشكيل بنية الاقتصاد وتوجيه مساراته نحو الاعتماد الذاتي. وتندرج هذه الحالة ضمن نقاش أوسع في أدبيات الاقتصاد السياسي حول حدود الاستقلال الفعلي للدول، خاصة في ظل نظام دولي تتسم علاقات القوة فيه بعدم التكافؤ البنيوي؛ لا سيما بالنسبة لدول الجنوب التي واجهت تاريخياً صعوبات هائلة في تقليص تبعيتها الاقتصادية للمركز الرأسمالي. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل مؤشرات مثل التضخم وتراجع القدرة الشرائية عن السياق الهيكلي الذي تعمل فيه الدولة، فهذه الظواهر ليست مجرد عوارض داخلية، بل هي نتاج ضغوط خارجية ممنهجة تحد من خيارات السياسة الاقتصادية التقليدية. وهنا تظل أفكار المفكر الاقتصادي “سمير أمين” حول “فك الارتباط” ذات أهمية تفسيرية قصوى، إذ تساعد في فهم محاولات الدول تقليل اعتمادها على المنظومة العالمية التي تكرس التبعية، والسعي لبناء اقتصاد يخدم الاحتياجات الوطنية أولاً.
تعكس الحالة الإيرانية توجهاً استراتيجياً نحو تقليص الاعتماد الخارجي عبر دعم الإنتاج المحلي وتعزيز قدر من الاكتفاء النسبي، رغم جسامة القيود المفروضة. كما يمكن فهم تخصيص موارد كبيرة لقطاعات الأمن والدفاع ليس كاستنزاف للموارد، بل في ضوء بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع المتطلبات السيادية الوجودية. ورغم أن الضربات العسكرية استهدفت البنية التحتية النفطية، وهي العصب المالي للدولة، إلا أن التجربة أظهرت مساراً نحو تنويع مصادر الدخل وتجاوز “لعنة الواردات”. وقد تناول “راؤول بريبيش” هذه الإشكالية في تحليله لاختلالات الاقتصادات المعتمدة على تصدير المواد الأولية، مؤكداً أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من تقليل الاعتماد على قطاع ريعي واحد، وهو ما تحاول إيران تحقيقه عبر الابتكار والبحث عن قنوات تبادل بديلة خارج الهيمنة التقليدية.
وفي سياق متصل، تبرز أطروحات “فيرناندو هنريك كاردوسو” حول “التبعية المرتبطة” لتفسير أن تقليص الاعتماد لا يتم عبر قطيعة كاملة ومفاجئة مع النظام الدولي، بل من خلال إعادة التموقع الذكي داخله وتقليل الارتهان للتمويل الخارجي. ومن جهة أخرى، تُظهر التحركات في مضيق هرمز كيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى ورقة ضغط اقتصادية واستراتيجية قادرة على رفع كلفة الصراع عالمياً، لتمتد آثارها إلى مراكز مالية كبرى مثل لندن وباريس. إن هذا التداخل بين الجغرافيا والاقتصاد يشير إلى تحول جذري في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم تعد أدوات التأثير حكراً على القوى التقليدية، بل أصبحت بعض الدول قادرة على استخدام موقعها ومواردها لإعادة التفاوض حول مكانتها، مما يمهد الطريق نحو نظام دولي أكثر تعددية. في المحصلة، تمثل الحالة الإيرانية مثالاً حياً على التحديات الوجودية التي تواجه الدول الساعية لانتزاع هامش استقلالها، وهي مسيرة تعكس صعوبة الموازنة بين الاستقرار الداخلي والسيادة الوطنية في عالم لا يعترف إلا بموازين القوى.
