تقرير/
على مدى العقود الأخيرة، لم تكتفِ الولايات المتحدة باستخدام العقوبات والضغوط السياسية لإسقاط خصومها، بل انتقلت في حالات محددة إلى اعتقال رؤساء دول فعليين، في مسار استثنائي يطرح أسئلة جوهرية حول السيادة الوطنية، حدود القانون الدولي، وتسييس العدالة.
اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يوم أمس، أعادت فتح هذا الملف الحساس، وأعادت إلى الواجهة قائمة قصيرة من القادة الذين انتهت سلطتهم خلف القضبان بفعل القرار الأمريكي العدواني.
مانويل نورييجا – حاكم بنما
(1989)
خلال الغزو الأمريكي لبنما عام 1989، تم اعتقال حاكم بنما الجنرال مانويل نورييجا، بتهم تشمل: الاتجار بالمخدرات، غسيل الأموال، والابتزاز.
حُكم عليه بالسجن لمدة 40 سنة، قضى منها 21 سنة في السجون الأمريكية قبل أن يُفرج عنه ويُعاد إلى بنما لاحقًا.
تُعتبر هذه العملية نموذجا واضحا لتجاوز الولايات المتحدة السيادة الوطنية، ومرجعا تاريخيا لكل حالات اعتقال رؤساء الدول على يد واشنطن.
صدام حسين – رئيس العراق
(2003)
في أعقاب غزو العراق عام 2003، اعتُقل الرئيس العراقي صدام حسين بعد سقوط بغداد، ضمن عملية عسكرية عُرفت إعلاميًا باسم “الفجر الأحمر”.
لم تُحاكمه الولايات المتحدة، بل سُلّم إلى السلطات العراقية التي شكّلت تحت الاحتلال، وأصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا حكما بالإعدام نُفذ عام 2006.
خوان أورلاندو هيرنانديز – رئيس هندوراس
(2022 – 2025)
اعتقلته سلطات هندوراس عام 2022 وسلمته للولايات المتحدة، بعد أن اتهمته واشنطن بالتآمر لتهريب الكوكايين إلى الأراضي الأمريكية والتعامل مع منظمات إجرامية.
حُكم عليه من قبل محكمة فيدرالية بالسجن لمدة 45 عامًا في عام 2024، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أصدر عفوا رئاسيا عنه في ديسمبر 2025.
نيكولاس مادورو – فنزويلا
(03/01/2026)
في عام 2020، وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات رسمية إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تتعلق بالإرهاب وتهريب المخدرات، ورصدت مكافأة مالية كبيرة لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله.
ويوم أمس نفّذ الجيش الامريكي عدوانا على كركاس وقام باعتقال ونقله هو وزوجته إلى نيويورك لتقديمه للمحاكمة، ما يجعله أحدث رئيس دولة يدخل قائمة الاعتقالات الأمريكية المباشرة، في تصعيد يفتح فصولا جديدة في النزاع الأمريكي/الفنزويلي.
الاعتداء على فنزويلا واعتقال رئيسها يمثل قمة الانتهاك الصريح للقانون الدولي، ونقطة فاصلة في التاريخ الحديث للعلاقات الدولية. لقد أُلغيت سيادة الدولة، وتجاهلت الأعراف والمواثيق الدولية التي كانت، إلى وقت قريب، تعتبر صمام أمان للعالم. من اليوم، لم يعد معنى للأمم المتحدة أو مجلس الأمن عندما تتحول هذه المؤسسات، أمام الإرادة الأمريكية، إلى مجرد دمى رمزية تُمارس التمثيل بينما الواقع يسجل القهر والاحتلال والسطو على الثروات الوطنية.
ما حدث ليس مجرد اعتداء على فنزويلا، بل رسالة موجهة لكل دولة تحاول الحفاظ على استقلالها وكرامتها. إنه إعلان بأن من يمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية يمكنه أن يفرض إرادته فوق القانون، وأن أي دولة ترى نفسها مستقلة هي هدف محتمل للملاحقة والعقاب. هذا النهج ليس جديدا، لكنه يزداد وضوحا مع كل عملية اعتقال أو انقلاب مدعوم أمريكيًا، ويكشف الوجه الحقيقي لـ”الإمبريالية الحديثة”، وجه يمثل بلطجة دولية منظمة، غطرسة القوة، ونهب الثروات، ودوس على حقوق الشعوب.
لقد تجاوزت الولايات المتحدة كل القيود الأخلاقية والقانونية، فباتت تتعامل مع الدول الوطنية المستقلة كأنها قطاع طرق على الطريق الدولي، هدفها نهب الثروات، التحكم بالسياسات الداخلية، وفرض التبعية الاقتصادية والسياسية. أما الدول التي تحاول المقاومة، فتواجه الضغوط، العقوبات، وتهديدات مباشرة بالاحتلال، كما حدث مع فنزويلا وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط.
هذا الواقع يفرض على الدول المستقلة أن تعيد حساباتها الاستراتيجية، وتبحث عن أدوات جديدة للدفاع عن سيادتها ومواردها الوطنية. لم يعد الاعتماد على القوانين الدولية وحدها كافيا، لأن من يفترض أنهم الحُماة أصبحوا شهود زور أمام إرادة القوة. في هذا السياق، تصبح أي استراتيجية دفاعية، حتى العسكرية، خيارا مشروعا لحماية النفس والسيادة والكرامة الوطنية.
إن ما يحدث اليوم ليس صراعا محليا أو أزمة عابرة، بل معركة حول النظام الدولي نفسه، بين من يرى أن القوة هي القانون وبين من يؤمن بسيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها. وكل محاولة للانتصار على هذا النموذج الإمبريالي، مهما كانت صعبة، هي معركة من أجل استعادة العدالة الدولية والكرامة الوطنية، وحماية المستقبل من أن يتحول العالم كله إلى ملعب للقوة بلا قانون، وبلا رادع.
