تحليل/
لم يعد عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخرائط تُظهر كندا وغرينلاند وفنزويلا ملوّنة بألوان العلم الأميركي خلال اجتماع مع قادة أوروبيين ومسؤولي حلف الناتو، مجرد استفزاز بصري أو خطاب شعبوي معتاد، بل بات يُقرأ بوصفه إيحاءً سياسيا مباشرا بإمكانية استخدام القوة أو فرض السيطرة، في سياق دولي يشهد تصاعدا في النزعات التوسعية وتراجعا في احترام الخطوط الحمراء التقليدية.
الخطوة، التي جاءت خلال اجتماع مع قادة أوروبيين ومسؤولي حلف شمال الأطلسي، تكتسب دلالات أعمق عند ربطها بسجل ترمب الأخير، ولا سيما حادثة اختطاف رئيس فنزويلا في عملية أثارت صدمة دولية وأسئلة قانونية وأخلاقية حول حدود السلوك الأميركي، إضافة إلى التلويح العلني والمتكرر باحتلال غرينلاند تحت ذرائع الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.
في هذا السياق، تبدو الخرائط وكأنها انتقال من مرحلة الخطاب إلى مرحلة التلميح العملي، ومن الرمزية إلى اختبار ردود الفعل. فإظهار دول ذات سيادة داخل الفضاء البصري للعلم الأميركي، وأمام حلفاء مفترضين، يعكس رؤية تعتبر الجغرافيا السياسية مجالا مفتوحا لإعادة الترتيب بالقوة أو بالإكراه، لا بالتوافق أو القانون الدولي.
غرينلاند تحتل موقعا مركزيا في هذا المشهد. فبعد أن كانت فكرة السيطرة عليها تُقدَّم سابقا كطرح “اقتصادي” أو “صفقة محتملة”، عادت اليوم في صيغة أكثر فجاجة، توحي بأن الخيار العسكري أو القسري لم يعد مستبعدا من التفكير الاستراتيجي الأميركي، خصوصا في ظل التنافس المحتدم على القطب الشمالي وموارده وممراته العسكرية.
أما فنزويلا، فإن إدراجها في هذه الخرائط لا يمكن فصله عن سياسة كسر السيادة التي انتهجتها إدارة ترامب تجاه كاراكاس، والتي بلغت ذروتها بعملية اختطاف رئيس الدولة، في سابقة خطيرة تعيد إلى الأذهان نماذج التدخل المباشر والانقلابات المدعومة خارجيا. وهنا، تتحول الخريطة من أداة عرض إلى إعلان نوايا مبطّن.
حتى كندا، الحليف الأقرب جغرافيا وسياسيا للولايات المتحدة، لم تسلم من هذا المنطق، ما يعكس تحوّلاً مقلقا في تصور التحالفات نفسها، من شراكات متكافئة إلى دوائر نفوذ محتملة، تُدار بمنطق القوة لا المصالح المشتركة.
أوروبيا، ورغم اللهجة الدبلوماسية الهادئة في الردود، فإن القلق كان واضحا. فالتاريخ الأوروبي مع الاحتلالات وإعادة رسم الحدود يجعل من هذه الإشارات غير قابلة للتجاهل، حتى وإن قُدّمت في إطار “استعراض سياسي”.
سياسيا لا يمكن فصل خرائط ترمب عن مسار إعادة إحياء منطق الهيمنة والاحتلال في السياسة الدولية. وهي تطرح سؤالا جوهريا على الحلفاء والخصوم على حد سواء؛
هل ما يجري مجرد استفزاز محسوب؟ أم أن العالم أمام مرحلة تُختبر فيها شرعية القوة على حساب القانون، وتُعاد فيها كتابة الجغرافيا بلغة الخرائط لا المواثيق؟
