CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 90?
في كل مرة تقع فيها مأساة داخل المغرب، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، كيف تنظر السلطة إلى أرواح مواطنيها؟ ليس لأن الموت جديد، بل لأن طريقة التعاطي الرسمي معه تكشف ما هو أعمق من الحدث نفسه.
حين يبعث الملك محمد السادس برقية تعزية إلى رئيس إندونيسيا بعد فيضانات أودت بحياة عشرات الضحايا، بينما تمر فيضانات آسفي أو انهيارات فاس بلا موقف مماثل، فإن الإشكال لا يكون في التعزية الخارجية، بل في غياب المعنى الداخلي.
المغاربة لا يعترضون على التضامن مع الشعوب الأخرى، بل يتساءلون لماذا لا يُستعمل المنطق نفسه، واللغة نفسها، والاهتمام نفسه حين يكون الضحايا مغاربة؟ هنا ندخل إلى “المخزن”، ليس كشتيمة سياسية، بل كمفهوم تاريخي يفسر طريقة الحكم.
المخزن هو منظومة حكم تعود جذورها إلى الدولة السلطانية، حيث كانت العلاقة بين السلطة والناس قائمة على منطق الرعية لا المواطنة. في هذا المنطق، الدولة لا تُسأل، بل تُطاع، والحقوق ليست أصلا ثابتا، بل عطايا ظرفية.
ومع أن المغرب الحديث يمتلك دستورا ومؤسسات منتخبة (صورية)، إلا أن روح المخزن ما زالت حاضرة في إدارة الرمزية السياسية، خصوصا في لحظات الأزمات. وحاضرة في كل تفاصيل ومفاصيل الدولة!
في الثقافة المخزنية، إظهار التعاطف الداخلي ليس مسألة إنسانية فقط، بل مسألة سياسية محفوفة بالمخاطر. فالتعزية القوية، أو الزيارة الميدانية، أو الخطاب المباشر مع الضحايا، قد تفتح تلقائيا باب السؤال؛ من المسؤول؟ من أهمل؟ من سمح بالبناء العشوائي؟ من تجاهل البنية التحتية؟ وهذه الأسئلة تقود إلى المحاسبة، والمحاسبة نقيض تقليدي لمنطق المخزن القائم على الاستمرارية لا على المساءلة.
في المقابل، التعزية في الخارج آمنة تماما. لا تكلفة سياسية لها، لا تُنتج مطالب داخلية، ولا تفتح ملفات فساد أو تقصير. بل على العكس، هي تعزز صورة الملك كفاعل إنساني ودولي، وتخدم الدبلوماسية الناعمة للدولة. لذلك تصبح برقية التعزية الخارجية فعلا مريحا، بينما يتحول الصمت أو البلاغ الإداري الجاف داخليا إلى خيار “أقل خطرًا” من منظور السلطة.
أما الصور المتداولة عن ظهور الملك في الخارج أثناء الكوارث الداخلية، فحتى لو اختلف الناس حول دقتها الزمنية، فإن أثرها الرمزي واضح. الإشكال ليس في السفر أو في المكان، بل في الإحساس الجماعي بأن رأس الدولة بعيد نفسيا عن الألم اليومي للمواطنين.
في الدول التي ترسخت فيها فكرة المواطنة، يُنتظر من القائد أن يظهر وسط الأنقاض، لا لأن ذلك يحل المشكلة، بل لأنه يعترف بها أخلاقيًا. أما في المنظومة المخزنية، فالصورة تُدار بحذر، والمسافة تُحافظ عليها، لأن القرب قد يُفسَّر ضعفا أو اعترافا ضمنيًا بالمسؤولية.
هل يعني هذا أن هناك احتقارا متعمدًا لأرواح المغاربة؟ التحليل الأدق يقول إن الأمر ليس كراهية أو ازدراء شخصيا، بل استمرار لمنطق حكم قديم لم يتصالح بعد مع فكرة أن المواطن شريك كامل، له حق التعزية كما له حق الحياة. لكن النتيجة العملية واحدة وهي شعور بالغبن، وإحساس بأن قيمة الحياة تُقاس بالموقع الجغرافي لا بالانتماء الوطني.
المأساة الحقيقية ليست فقط في عدد الضحايا، بل أيضا في الفجوة النفسية بين الدولة والمجتمع. فحين لا يرى المواطن نفسه في خطاب السلطة، ولا يشعر بأن ألمه مرئي في أعلى هرم الحكم، يتحول الغضب إلى قناعة صامتة بأن الدولة لا تنتمي إليه، وأنه مجرد رقم في هامش الاستقرار. وهنا، يصبح السؤال أخطر من مجرد برقية تعزية.. أي دولة نريد؟ دولة رعايا أم دولة مواطنين؟
