يُفترض في الاعتقال الاحتياطي، وفق الفلسفة القانونية والمواثيق الدولية، أن يكون إجراءً استثنائيا تلجأ إليه السلطة القضائية فقط عند الضرورة القصوى، كحماية سير العدالة أو تفادي فرار المتهم أو التأثير على الشهود. غير أن الممارسة العملية في المغرب تكشف عن واقع مقلق، حيث يتحول هذا الإجراء الاستثنائي في كثير من الحالات إلى عقوبة غير معلنة تُنفّذ قبل صدور أي حكم قضائي.
ينص الدستور المغربي بوضوح على قرينة البراءة، ويؤكد أن الاعتقال لا يكون إلا وفق شروط القانون. لكن الواقع يُظهر مفارقة صارخة، ومتهمون بالآلاف يُسلبون حريتهم لأشهر طويلة، ليصدر في النهاية حكم مخفف، أو حكم موقوف التنفيذ، أو حتى البراءة. وهنا من حق أي مواطن أن يسأل، من يعوّض هؤلاء على الضرر النفسي والاجتماعي والمهني الذي لحق بهم بسبب هذا الاعتقال؟
تشكل قضية مغني الراب المغربي جواد أسرادي “بوز فلو” مثالا صارخا على هذا الخلل. فقد جرى اعتقاله احتياطيا لمدة تزيد عن الشهر، قبل أن تصدر المحكمة يوم أمس حكما بثلاثة أشهر سجنا موقوف التنفيذ.
هذا التناقض الزمني والقضائي يطرح إشكالا عميقا
إذا كانت الأفعال لا تستوجب عقوبة سالبة للحرية نافذة، فلماذا تم سلب حرية المعني بالأمر لمدة شهر ونيف؟ أليس الاعتقال الاحتياطي في هذه الحالة أشد قسوة من الحكم نفسه؟
في حالات الفنانين والصحافيين والمدافعين عن حقوق الانسان، يكتسي الاعتقال الاحتياطي بعدًا آخر يتجاوز القانون، ليصبح أحيانًا أداة ردع. فالمسألة لا تتعلق فقط بالحرمان من الحرية، بل بتشويه السمعة، وقطع المسار المهني، وبث رسالة تخويف غير مباشرة إلى فئات شبابية كاملة ترى في هؤلاء الفنانين صوتًا لها.
بالنسبة لبوز فلو، لم يكن الاعتقال مجرد إجراء قانوني، بل زلزالا شخصيا ومهنيا أدى لتوقف فني قسري ولضغط نفسي وعائلي هائل، قس على ذلك أن السجن يتحول لوصم اجتماعي يصعب محوه حتى بعد الحكم.
الغريب والخطير في الاعتقال الاحتياطي ليس فقط الإفراط في استعماله، بل غياب المحاسبة. لا قاضٍ يُسأل عن قرار اعتقال غير مبرر، ولا آلية لتعويض المتضررين، ولا تقييم جدي لتناسب الإجراء مع خطورة الفعل.
في حالة بوز فلو، كما في مئات الحالات المشابهة، يخرج الشخص من السجن “قانونيًا” لكنه يبقى مكسورا اجتماعيا، في حين تستمر المنظومة دون مراجعة ذاتية.
إن الدفاع عن تقليص الاعتقال الاحتياطي وإلغائه في بعض القضايا لا يعني الدفاع عن الجريمة أو الإفلات من العقاب، بل هو دفاع عن عدالة متوازنة تحترم الحرية الفردية وتفصل بين المتابعة والعقوبة.
قضية بوز فلو ليست مجرد خطأ تقدير قضائي، بل عرض من أعراض منظومة ما زالت تتعامل مع الحرية باعتبارها امتيازا لا حقا. فحين يُزَجّ بمواطن في السجن لشهور، ثم يُقال له في النهاية إن العقوبة “موقوفة التنفيذ” أو “براءة”، فذلك اعتراف ضمني بأن الاعتقال كان العقوبة الحقيقية، وأن الحكم لم يكن سوى إجراء شكلي لإغلاق الملف.
العدالة التي تُبرر حرمان إنسان من حريته ثم تعجز عن تبرير ذلك في منطوق حكمها، هي عدالة تحتاج إلى مساءلة وإعادة النظر فيها. فالسجن لا يُمحى بعبارة “موقوف التنفيذ”، والوصم لا يُلغى بورقة حكم، والزمن المسلوب والمسروق من عمر الانسان لا يُعوَّض.
إن استمرار هذا النمط من الاعتقال الاحتياطي يعني ترسيخ منطق خطير.. حيث حرية المواطن المغربي يمكن التضحية بها مؤقتا، حتى لو ثبت لاحقا أنها لم تكن تستحق المصادرة أصلا.
