الرباط/
أعاد بلاغ اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) خلط أوراق الجدل المثار حول عدم نشر لوائح الصحفيين الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية، بعدما وضعت المؤسسة الرقابية النقاط على الحروف ونفت بشكل قاطع أي دور لها في قرار الحجب، مفككة بذلك الرواية التي ربطت هذا الامتناع باعتبارات حماية المعطيات الشخصية.
وجاء تدخل CNDP في سياق تصريحات أدلى بها يونس مجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر، برّر فيها عدم نشر اللوائح برفض مزعوم من طرف اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مشيراً إلى أنه قضى وقتا طويلا في محاولة إقناعها بالسماح بنشر هذه المعطيات. غير أن البلاغ التوضيحي الصادر عن CNDP قطع مع هذا التأويل، مؤكداً أن الملف لا يدخل ضمن اختصاصاتها القانونية، وأنها لم تكن يوماً عائقاً أمام نشر لوائح الصحفيين الحاصلين على البطاقة المهنية.
وأكدت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أنها غير مسؤولة تماما عن قرار عدم نشر لوائح الصحفيين، سواء من طرف المجلس الوطني للصحافة في صيغته السابقة أو من طرف اللجنة المؤقتة التي يرأسها يونس مجاهد حالياً. كما شددت على أن نشر هذه اللوائح لا يشكل، في حد ذاته، أي خرق للقوانين المنظمة لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وهو موقف سبق أن عبرت عنه بوضوح في مناسبات سابقة.
وأوضح البلاغ، الذي توصلت “صدى الحقيقة” بنسخة منه، أن مسألة نشر لوائح الصحفيين الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية تندرج حصرا ضمن الشؤون التنظيمية المرتبطة بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة وتدبيرها المهني، ولا علاقة لها باختصاصات CNDP المحددة قانونا. كما نبهت اللجنة إلى ضرورة عدم حشرها، تحت أي ظرف، في قضايا لا تدخل ضمن ولايتها، محذرة من الخلط بين حماية المعطيات الشخصية وتدبير الشأن المهني للقطاع.
هذا التوضيح يعيد النقاش إلى جوهره الحقيقي، ويكشف عن استعمال متكرر لمفهوم حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي كذريعة لتبرير غياب الشفافية. فمن الناحية القانونية، لا يبدو أن نشر أسماء الصحفيين الحاصلين على بطاقة مهنية، في إطار مؤسسة تنظيم ذاتي، يشكل مساسا بحقوق الأفراد، خاصة إذا كان الهدف هو تعزيز الثقة وضمان وضوح المعايير المعتمدة في منح هذه البطاقة.
وفي العمق، يسلط هذا الجدل الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بتداخل المسؤوليات وضعف التواصل المؤسساتي داخل منظومة تدبير قطاع الصحافة. فبدلاً من أن يشكل نشر اللوائح إجراءً عاديا يكرس الشفافية ويضع حدا للتأويلات، تحوّل الملف إلى نقطة توتر يتم فيها تبادل المسؤوليات بشكل غير مباشر، ما يساهم في تعميق أزمة الثقة داخل الجسم الصحفي.
يحمل بلاغ CNDP بعدا يتجاوز مجرد نفي المسؤولية، إذ يمكن اعتباره بمثابة رفع للغطاء القانوني الذي كان يُستعمل لتبرير عدم النشر. وهو ما يجعل الكرة اليوم في ملعب اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر، التي يرأسها يونس مجاهد، والتي باتت مطالبة بتقديم توضيحات صريحة حول الأسباب الحقيقية وراء قرارها، بعيدا عن الإحالات على مؤسسات أخرى أو التذرع بقيود قانونية غير قائمة.
كما يطرح استمرار حجب هذه اللوائح تساؤلات مشروعة حول معايير منح بطاقة الصحافة المهنية، ومدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية التي يفترض أن تؤطر التنظيم الذاتي للمهنة. فغياب المعطيات الرسمية لا يفتح فقط الباب أمام الإشاعات والتأويلات، بل يضعف أيضا ثقة الصحفيين والرأي العام في المؤسسات المشرفة على القطاع، في مرحلة يُفترض أنها مرحلة إصلاح وإعادة بناء.
في المحصلة، يكشف هذا السجال أن الإشكال لا يكمن في حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بقدر ما يرتبط بالإرادة المؤسساتية في إرساء الشفافية وتحمل المسؤولية. وبين نفي CNDP لأي دور لها في قرار الحجب، وتصريحات يونس مجاهد التي حمّلتها مسؤولية هذا القرار، يبقى نشر لوائح الصحفيين الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية اختبارا حقيقيا لمدى جدية الإصلاحات المعلنة، وقدرة التنظيم الذاتي للقطاع على القطع مع منطق الالتباس وتبادل الأدوار.
