إدريس عدار
لا أفهم ما الذي يجعل حزبا يزعم أنه خرج من جبة تنظيم تقدمي أن يستدعي كاتبا مثل أنور مالك ليقدم كتابا أصفر، ليس فيه من العلم مقدار حبة خردل غير تجميع تفاهة الصحافة الصفراء، وفيه من الادعاءات والمزاعم ما لا تنطلي حيلته إلا على الاغبياء، كاتب مرتزق يهرف بما لا يعرف، ويناقض فيه ما قاله قبل أربع سنوات أو خمس، لذلك لم يستحق منا الكتاب وقفة نقدية لأنه صبياني بامتياز. وفي هذه المدة الوجيزة تحول الحلفاء إلى أعداء والأعداء إلى حلفاء.
من يعرف ضيف حزب “الزيتونة” يعرف أنه غير مهتم بالحقيقة، ولكن كل همه أن ترسو سفينته في أي مرفأ يؤدي إلى مخزن العطايا، ويغير لون مقالاته كل ما تغيرت ألوان الأوراق التي يحصل عليها، ولتزيين المشهد استدعى الحزب شيخا يبرر التكفير، فتحول اللقاء من توقيع كتاب إلى استباحة شاملة لعقائد مجموعة بشرية وعاداتهم وثقافتهم وحرماتهم، بل ممارسة أشد أنواع الكذب والانحطاط ممن تسافل في حضرة الكاتب المدعي.
في غمرة حفلة الشتائم التي دارت أطوارها على أنغام الهوى ورقصات التفاهة، نزل الخطاب بحسن أوريد، إلى ترويج أتفه الادعاءات، وعلى نمط روايات “السندويتش السريع” التي يكتبها، ذهب به التخييل “غير الروائي” إلى اختلاق قصة غريبة بنى عليها موقفه من دولة زعم أنه كان لديه موقف مخالف منها.
كان الأمر سيكون طبيعيا لو أن الأمر اقتصر على توقيع الكتاب، بغض النظر عن تفاهته، ومواجهة الدولة المعنية، أي إيران، في حدود السياسة، وتحديد الموقف منها سلبا أو إيجابا، لكن أن يراد للموقف أن تكون مطيّتُه قصة خرافية أبدعها بشكل سيء، مبدع روايات “الكوكوت مينوت”، زعم فيها أنها غيرت موقفه من إيران.
مفاد هذه القصة أنه كان في زيارة للعراق ثم عرّج على مرقد الإمام الحسين، حاكيا حكايات غريبة، منها أنه بعد أن انتهى، ولم يتحدث عما انتهى منه، التقاه رجل تحدث معه بالفارسية، ووجد أن الفارسية هي لغة الحديث في المكان، زاعما أن هذا دليلا على أن إيران احتلت العراق، الذي لم يبق بادعائه عراقا، وليؤكد على كلامه قال إنه لما خرج وجد مكتوبا في الحائط “إطلاعات إيران” أي مخابرات إيران، مشددا على أنه لا يعرف الفارسية.
لنفترض أن حسن أوريد ليس مغربيا، وجاء إلى المغرب، ومن أحب المدن لدى السياح الأجانب مدينة مراكش، ثم زار ساحتها الشهيرة “جامع الفنا”، التي تعتبر ملتقى عالمي، حيث إن الباعة ومرودي القردة ونقّاشات الحناء يعرفون عبارات مختلفة من لغات أجنبية، أو أن حسن أوريد، غير المغربي فرضا، وجد أوروبيين يتحدثون الفرنسية أو الانجليزية فهل سيقول إن المغرب محتل من قبل فرنسا أو بريطانيا؟
كربلاء، التي لا يعرفها حسن أوريد، تعتبر ملتقى جنسيات من العالم كاملا، فمرقد الإمام الحسين هو مزار عالمي للشيعة بكافة طوائفهم، من جعفرية إثنى عشرية وإسماعيلية وبهرة وزيدية وعلوية، كما يزوره سنة ومسيحيون وغيرهم، تجد كل اللغات والأقوام من الهند وباكستان واذربيجان والاتراك، كما تجد العرب في مزارات ايران، ولا أحد يقول ان العراقيين الذين يزورون الامام الرضا بطوس انهم احتلوا إيران، وعندما يكون المكان مزارا للناس من العالم فإن كل الناس يزورونه من مناطق مختلفة من العالم، ويتكلمون لغاتهم، وتجد هناك كل لغات العالم وخصوصا حيث توجد التجمعات الشيعية من السنسكيريتية (الهندية) والبوشتو والأوردو والطاجيكية واللغات الإفريقية وغيرها من لغات العالم.
وحتى يظهر حسن أوريد بالغيور على العراق (العربي) حكى ذلك للسفير العراقي كأنه هو أكثر حرصا على عراقية العراق منه، ناسيا أن السفير يعتبر هذا الكلام تدخلا سافرا في شؤون بلاده، هذا إن صح كلامه.
وكي يضيف على حديثه طبيعة غرائبية قال إنه تمت دعوته إلى مكتب فيه شيوخ وطلبوا منه “أن يقتني زوجة”. حكاية مطروزة على قصص الاكاذيب الطائفية مصدرها معروف. ما هي الباب التي يطرقها اوريد هذه الايام، ليتحول الى داعية طائفي في اخر الزمان؟
لا أعرف من أي طينة هذا النوع من الكتاب؟ كيف للمثقف أن يقبل بالزيف لتأكيد مدعى باطل؟ هل أنت وحدك من زرت هذا المكان حتى تفتري على ملايين من زوار ذلك المكان سنويا، تفتري عليهم “عيني عينك”؟
كل من زار هذا المكان يعرف أن ما زعمه أوريد فرية عليه وزرها، وأنا واحد ممن زار المرقد ولا عثرت على ذلك ولا رأيت ذلك، ولا سمعت ذلك، والكل كان يتحدث معي بالعربية العراقية، وهي جميلة، وهم أهل ضيافة وكرم، لكن ما ادعاه أوريد عيب على المستوى الاجتماعي، خصوصا في مجتمع محكوم بثقافة العشيرة، فأكثر الناس التي ترحب بالضيوف هم العراقيون، ويا ويح من “تزيغ عينه”. فهذا طعن في شعب عربي شقيق بوقاحة، شعب لا زال يؤمن بقتل الشرف.
فالمكان مقدس تزوره عائلات مع اولادهم وتحت مراقبة شديدة، ومن الحقارة أن يتم تصويره على أنه مجرد ماخور يمكن أن تقتني فيه امرأة، وكأنه يتحدث عن “لعبة”، وهذا أمر مشين في حق شعب له ثقافته وأخلاقه بل تقاليده العريقة في التعامل مع المرأة، لا تليق بعوام الناس بله عمن يقحم نفسه في سلك المثقفين.
لكن هذا “المخلوق” لم يجب عن سؤال يترتب عن مزاعمه، ويتعلق بمدخلية هذه الادعاءات في تحديد الموقف من إيران؟ ما علاقة زوار المرقد بالدولة؟ يجهل أوريد أن فقراء الشيعة يزورون المكان، بل أن هناك فلاحين ومزارعين في مناطق بعيدة من الهند وأفغانستان وإيران يجمعون المال لواحد منهم ليزور نيابة عنهم.
فهذه الشقشقة الفارغة لأوريد في حضرة كاتب ساقط ما يكتبه لكثرة تناقضاته، لا تفيد في تحديد موقف يحتاج إلى حجة قوية ودليل وليس إلى “حجّايات” لاعبي “الضامة” عن الحرب “الهندوشية” و”لاليمان”.
أي أخلاق تحكم “مثقفا” يختلق حكاية ليبرر بها مزاعمه، التي نرى أنها ليست بريئة خصوصا في حضرة كتاب أصفر مليء بالادعاءات يزعم صاحبه أنه خبير دولي جمع معلومات لم يحط بها إنس ولا جان. ويجتر تشنيعات عفى عليها الزمن. ورغم كل هذا يتحدث عن التسامح واحترام الآخر، لكنه كشف عن نزعة التكفير واستباحة أعراض شعوب بوقاحة، أمام مدعي يقدمونه خبيرا وهو يستغبي عوام المغاربة وحتى غير العوام ومنهم “مول” رواء مكة.
لقد عض أوريد اليد التي أحسنت إليه واستضافته وأدخلته في بيئتها وهرول إليها ثم استباح حرمة العراقيين وشعوب أخرى تقدس ذلك المكان الذي شنع عليه أوريد بـ(كذبة باينا) وقحة.
