عماد العتابي/
لم تكن قضية جيفري إبستين فضيحة صاخبة أضيفت إلى أرشيف الفضائح الحديثة، بل كانت لحظة انكشاف نادرة، لحظة ارتفع فيها الستار قليلا عن مسرح يُدار منذ عقود في الظل. ما ظهر لم يكن مجرد أسماء أو جرائم، بل منطق كامل للحياة والسلطة، منطق يفضح الوجه الحقيقي لما يُسمّى بـ«العالم الحر»، ذلك العالم الذي يقدّم نفسه بوصفه ذروة التقدم الأخلاقي، بينما يُخفي في قلبه قاعا سحيقا من الاستغلال الهمجي والمنهجي.
إبستين لم يكن خطأً فرديا، ولا وحشا شاذا خرج عن القاعدة. كان ابنا شرعيا لنظام رأسمالي بلغ مرحلة التشبع، نظام تكدّست فيه الثروة إلى حدٍ فقدت معه أي معنى أخلاقي، وتحولت فيه السلطة من مسؤولية عامة إلى ملكية خاصة. في هذا العالم، لا يعود القانون سقفا للجميع، بل أداة تُطوى وتُمدّ بحسب الاسم والرصيد والعلاقات.
جزيرة إبستين لم تكن جزيرة. كانت استعارة مادية لبنية مغلقة، شبكة كثيفة من المال والسياسة والأجهزة والواجهات “الخيرية”. مكان لا يُنتج الجريمة فقط، بل يُطبعها، يُحوّلها إلى ممارسة داخلية محمية، إلى سرٍّ جماعي يمنح أصحابه تماسكا إضافيا. فالجريمة المشتركة، حين تكون بلا عقاب، تصبح رابطة.
يقال كثيرا إن الرأسمالية لا أخلاق لها، لكن الحقيقة أدق من ذلك، فالرأسمالية تمتلك أخلاقها الخاصة. أخلاق السوق، حيث كل شيء قابل للتسعير، وكل شيء، بما في ذلك الجسد والطفولة والكرامة، يمكن تحويله إلى مورد. وعندما تبلغ هذه المنظومة ذروتها، لا يعود الاستهلاك مقتصرا على السلع، بل يمتد إلى البشر أنفسهم، لا كأفراد، بل كمواد خام لتجارب السلطة والهيمنة وكسر المحرّمات.
هنا، يتضح التناقض المركزي الذي تكشفه قضية إبستين، فالخطاب الليبرالي الذي يملأ العالم حديثًا عن الحرية وحقوق الإنسان، يقف على نقيض تام من الممارسة الفعلية للنخب التي تنتجه. حيث التحرير في العلن، والاستعباد في الخفاء. ولغة حقوقية أنيقة تُستخدم كغطاء أيديولوجي، بينما تُدار في الظل أكثر أشكال العنف الجنسي والمادي فجاجة.
تحت شعار “تحرير المرأة”، جرى تصدير نموذج ثقافي منزوع الجذور، فرداني، مفكك، يُقدَّم بوصفه تقدما، بينما يعمل عمليا على تفكيك البنى الاجتماعية من دون أن يقدّم بديلا عادلا. تُزرع منظمات، وتُموَّل مشاريع، وتُعاد صياغة القيم، لا انطلاقا من معاناة النساء الحقيقيات، بل وفق احتياجات الهيمنة وإعادة التشكيل الثقافي. وفي المقابل، تُترك النساء الفقيرات، المهمّشات، القاصرات، أكثر الفئات هشاشة، خارج أي حماية فعلية، ليصبحن الوقود الصامت لمنظومة الاستغلال نفسها.
ليس هذا تناقضا عرضيا، ولا نفاقا أخلاقيا فرديا. إنه منطق بنيوي. فالتحرير في هذا النظام الامبريالي المتوحش يُسمح به ما دام لا يهدد مركز القوة، وما دام قابلا للتسويق. أما العدالة، حين تقترب من مصالح النخب، فتتحول إلى خطر يجب احتواؤه أو دفنه.
وحين كُشفت وثائق إبستين، بدا للحظة أن العالم يقف على أعتاب مواجهة حقيقية مع ذاته. وأن أسماء ثقيلة ستسقط، وعلاقات ممتدة عبر القارات ستفضح وتفكك. لكن ما حدث لم يكن مواجهة، بل تمرينا كلاسيكيا في إدارة الفضيحة عبر تضخيم عابر، ثم إنهاك، ثم نسيان. فالذاكرة العامة، في هذا العالم، لا تموت طبيعيا؛ بل تُقتل ببطء.
نحن نعرف هذا المشهد جيدا. رأيناه يتكرر في مؤسسات دينية نقلت المعتدين بدل محاكمتهم، وفي شركات عملاقة دفنت الجرائم تحت تسويات مالية، وفي أنظمة سياسية رفعت رايات الفضيلة بينما جعلت “الاستقرار” ذريعة لتعليق العدالة. ففي كل مرة، يُطلب من الضحايا الصمت، ويُطلب من المجتمع النسيان، ويُطلب من النظام الاستمرار.
ما يثير القلق اليوم ليس فقط ما كُشف في قضية إبستين، بل ما توحي به، أن هذه الشبكات لا تتفكك تحت الضغط، بل تتعلم. تصبح أكثر سرية، أكثر تعقيدا، وأكثر قدرة على التخفي خلف خطاب تقدمي وتحرري مصقول. وقد يأتي يوم ننظر فيه إلى ملفات إبستين باعتبارها مرحلة بدائية، زمنًا كانت فيه الجرائم لا تزال تُرتكب بقدر أقل من الاحتراف.
لسنا أمام مؤامرة غامضة، ولا شرٍّ أسطوري. نحن أمام بنية سلطة مادية، تاريخية، تعمل وفق منطق واضح وهي حماية القلة الحاكمة، وإدارة الكلفة الأخلاقية، وتحويل الضحايا إلى هامش.
وأي عالم يسمح للنخب باستغلال الأطفال والنساء، ثم العودة إلى المنابر للحديث عن الحرية والقيم والحقوق، هو عالم فقد أهليته الأخلاقية، مهما بلغت فصاحة لغته، ومهما ازدانت واجهته بالشعارات.
قضية إبستين لم تكشف وحشا مختبئا في الظل، بل كشفت وهما نعيش داخله. الوهم القائل إن هذا العالم تحكمه القيم، وإن القانون أعمى، وإن الحرية مشروع أخلاقي شامل. ما انكشف هو العكس تمامًا.. نحن أمام نظام يعرف جيدا ما يفعل، ويفعل ذلك لأنه قادر، ولأنه لم يُجبر يومًا على التوقف. في عالم كهذا، لا تكون الجريمة خللا، بل نتيجة متوقعة. وما لم يُكسر هذا الوهم من جذوره، ستظل إبستين تتكرر بأسماء جديدة، وأقنعة أذكى، ودماء أكثر صمتا.
