- عماد العتابي
في عددها الأخير من ملحقها الأسبوعي، خصصت صحيفة هآرتس مقالا مطولا لتتبع السيرة الفكرية والفلسفية للسياسي الإيراني البارز علي لاريجاني، مركزة بشكل خاص على علاقته بالفلسفة النقدية للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط.
ومع ذلك، يُحسب لكاتب المقال الجهد البحثي الواضح الذي بذله في تتبع أعمال لاريجاني الفلسفية. فالنص لا يقتصر على سرد سيرة سياسية تقليدية، بل يحاول رسم صورة مركبة لشخصية تتحرك في المسافة الفاصلة بين العمل السياسي والتأمل الفلسفي.
ويكتب صاحب المقال في إحدى فقراته:
“على مدى أربعة عقود، رسخ علي لاريجاني نفسه في مواقع القوة داخل الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فإلى جانب السياسي الهادئ هناك أيضا فيلسوف ومحاضر في الفلسفة بجامعة طهران، وخبير في أفكار كانط حول الرياضيات والعلوم.”
بل إن المقال يذهب أبعد من ذلك حين يشير إلى أن قراءة أعمال لاريجاني تكشف عن مفكر يسعى إلى الجمع بين الفلسفة والسياسة، حيث يضيف الكاتب:
“اكتشفت مفكرا لامعا يجمع، بطريقة غير مألوفة، بين حياة الفكر وحياة العمل السياسي.”
غير أن هذه الصورة التي يحاول المقال رسمها تفتح الباب أمام أسئلة أكثر تعقيدا من مجرد الاهتمام الأكاديمي. فهل نحن أمام اهتمام صحفي حقيقي بفلسفة سياسي إيراني؟ أم أمام نموذج كلاسيكي من توظيف المعرفة بوصفها أداة تحليل سياسي واستخباراتي؟
ليست المرة الأولى التي تهتم فيها المؤسسات الإعلامية أو البحثية الغربية بتفكيك الخلفيات الفكرية للنخب السياسية في الشرق. فهذه المقاربة تنتمي إلى تقليد معرفي طويل يربط بين إنتاج المعرفة وممارسة السلطة.
إن تتبع المسار الفلسفي لشخصية سياسية مؤثرة ليس مجرد فضول ثقافي، بل هو محاولة لفهم البنية الذهنية التي تصوغ قراراتها. ومن هنا يصبح البحث في فلسفة لاريجاني، وفي تأثره بكانط، جزءا من عملية تحليل للمنظومة الفكرية التي تحكم بعض دوائر القرار في إيران.
في محاضرة حول فلسفة المعرفة في العمل الاستخباراتي، قال ضابط سابق في أجهزة الاستخبارات الأمريكية قال عبارة لافتة؛ إن أجهزة الاستخبارات الغربية هي الوريث الحقيقي للتنوير الكانطي.
قد تبدو العبارة صادمة للوهلة الأولى، لكنها تعكس تصورا شائعا داخل مؤسسات التحليل الاستراتيجي، حيث المعرفة ليست حيادية، بل هي أداة لفهم الخصم، وتفكيك منطقه، واستباق خياراته.
ومن هذا المنظور، لا يبدو غريبا أن تتحول السيرة الفلسفية لسياسي إيراني بوزن “علي لاريجاني” إلى موضوع تحقيق مطول في صحيفة إسرائيلية.
لكن الجانب الأكثر إثارة للانتباه في القصة لا يتعلق فقط بالاهتمام الإسرائيلي، بل أيضا بالمفارقة الإيرانية نفسها.
فالجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها نظاما ثوريا معاديا للغرب، لا تتردد نخبها الفكرية في استلهام مفاهيم مركزية من الفلسفة الأوروبية الحديثة.
لاريجاني نفسه مثال واضح على هذا التداخل. فهو سياسي بارز في بنية النظام الإيراني، لكنه في الوقت نفسه يكتب عن كانط، أحد أعمدة الفلسفة الغربية الحديثة، ويبحث في قضايا فلسفة العلم والميتافيزيقا.
ومع ذلك، فإن قراءة مقال هآرتس لا تسمح بأي نوع من البراءة الأخلاقية.
فالصحافة الإسرائيلية، مهما ادعت المهنية الأكاديمية، لا تنفصل عن السياق الاستراتيجي لدولة تعيش في حالة صراع دائم مع إيران والمسلمين.
ومن الطبيعي أن تتحول معرفة النخب السياسية والفكرية في الخصم إلى مادة للتحليل والتفكيك.
إن الاهتمام المفاجئ بفلسفة لاريجاني لا يمكن فصله عن هذا السياق. فالمقال، رغم لغته الأكاديمية الهادئة، يعكس في العمق فضولا استراتيجيا فيه بحث أجوبة لأسئلة تحير الإسرائيلي.. من هو هذا الرجل؟ كيف يفكر؟ وما هي البنية النظرية التي قد تؤثر في قراراته السياسية؟
وبين فلسفة كانط وصراعات الشرق الأوسط
في النهاية، يكشف هذا الجدل كله عن حقيقة أن الفلسفة، التي يفترض أنها مجال للتأمل الحر في شروط المعرفة والعقل، تتحول في عالم السياسة إلى مادة للتحليل الاستراتيجي.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مشهد غريب، لصحيفة إسرائيلية تحلل فلسفة سياسي إيراني متأثر بفيلسوف ألماني من عصر التنوير.
لكن خلف هذا المشهد الثقافي الظاهري تختبئ لعبة المعرفة والسلطة، حيث تصبح الفلسفة نفسها جزءا من معركة النفوذ وتحليل بنية الأنظمة السياسة.
وهذا ربما هو الدرس الحقيقي في قصة مقال هآرتس، ففي عالم الصراعات الكبرى، لا توجد معرفة بريئة تماما. فحتى الفلسفة يمكن أن تتحول إلى ملف سياسي.
