تحليل سياسي/
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّلت الأمم المتحدة الإطار المركزي لتنظيم العلاقات الدولية، وإدارة الصراعات، ومنح الشرعية لاستخدام القوة. ورغم كل ما شاب هذا النظام من اختلالات وازدواجية معايير، ظلّ قائمًا على فكرة جوهرية، أن الأمن العالمي مسؤولية جماعية، وأن السيادة وحدود القوة تُضبط عبر مؤسسات متعددة الأطراف. غير أن هذا التصور يواجه اليوم تحديا غير مسبوق، لا يأتي من خارج النظام، بل من القوة التي كانت عموده الفقري، وهي الولايات المتحدة نفسها.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى سياسات دونالد ترمب بوصفها مجرد انحراف شعبوي عابر، بل كجزء من تحوّل أعمق في الرؤية الأمريكية للنظام الدولي. ترمب لا يرى في الأمم المتحدة أداة ضرورية للاستقرار، بل عبئًا يقيد حرية الحركة الأمريكية، ويمنح خصومها، وفي مقدمتهم الصين، شرعية ومجالا للمناورة داخل نظام صُمم أصلا في لحظة تفوق أمريكي مطلق.
لكن التحول الأخطر لا يكمن في الخطاب وحده، بل في الانتقال من التشكيك إلى البناء البديل. فمع الإعلان الفعلي عن تأسيس “مجلس السلام”، لم تعد فكرة تجاوز الأمم المتحدة افتراضا نظريا أو مادة سجال فكري، بل تحولت إلى كيان مؤسسي قائم، يطرح نفسه كآلية موازية، وربما بديلة لإدارة “السلم” والأمن الدوليين خارج الإطار الأممي التقليدي.
تأسيس هذا المجلس يحمل دلالة بنيوية عميقة، فهو لا يقوم على مبدأ الشمولية أو الإجماع الدولي، بل على منطق انتقائي يُعلي من قدرة الدول “القادرة” على فرض أمر الواقع، لا من حق المجتمع الدولي في إنتاجه جماعيا. حيث لا تُستمد الشرعية من الجمعية العامة ولا من مجلس الأمن، بل من القوة، والتمويل، والاستعداد للتدخل. وهذه النقلة تعكس تحولًا من نظام تحكمه القواعد، إلى نظام تُعاد فيه كتابة القواعد من قبل من يملكون القدرة على فرضها.
لا يمكن فصل هذا التطور عن الصراع الأمريكي/الصيني. فبينما تعمل بكين على تعظيم نفوذها من داخل المنظومة الأممية، مستخدمة القانون الدولي، والتحالفات التصويتية، والتمدد داخل الوكالات الدولية، يختار ترمب مسارًا معاكسًا تماما، بكسر الإطار ذاته. فمن وجهة نظره، استمرار العمل ضمن مؤسسات متعددة الأطراف يمنح الصين وقتًا ومساحة لتقييد الحركة الأمريكية، وتحويل الشرعية الدولية إلى سلاح ناعم ضدها. أما الخروج من هذا الإطار، فيعيد الأفضلية مؤقتًا لمن يمتلك التفوق العسكري والاقتصادي.
ضمن هذا المنظور، لا يبدو مجلس السلام مبادرة معزولة، بل تتويجا لمسار بدأ قبل ذلك بسنوات، وتجلّى في سلسلة ممارسات شكّلت اختبارات مبكرة لعالم ما بعد الأمم المتحدة. في فنزويلا، جرى التعامل مع السيادة بوصفها شرطا قابلا للتجاوز، عبر محاولات نزع الشرعية عن القيادة القائمة، والسعي لتغيير النظام خارج أي تفويض أممي عبر اختطاف رئيسها وزوجته.
وفي الشرق الأوسط، كشفت الحرب على غزة عن الدرجة التي بلغها تهميش المنظومة الأممية. عجز مجلس الأمن، تجاهل قرارات القانون الدولي، والدعم غير المشروط، كلها أكدت أن الشرعية الدولية لم تعد سقفا مُلزما، بل أداة انتقائية. وما يجري هنا لا يُفهم كاستثناء، بل كسابقة من نموذج لكيفية إدارة النزاعات في عالم يُفرغ فيه القانون الدولي من مضمونه التنفيذي.
الأمر نفسه ينطبق على التهديد بضرب إيران الذي لا يعكس التزامًا بالقانون الدولي، بل ممارسة فجة للبلطجة الأمريكية، حيث تُستبدل القواعد الدولية بمنطق القوة، ويُختزل الأمن العالمي في قرار أحادي تتخذه الدولة الأقوى.
حتى الخطاب المتعلق بغرينلاند، وكندا، وبعض دول أمريكا اللاتينية، وإن بدا للبعض استعراضيا أو استفزازيًا، يحمل في جوهره إعادة تعريف للمجال الحيوي. هو خطاب يُطبع فكرة أن الحدود، والسيادة، والاتفاقات التاريخية، ليست خطوطا نهائية، بل موضوعات قابلة لإعادة التفاوض حين تتطلب المصالح الاستراتيجية ذلك. في هذا التصور، لا تُلغى القواعد صراحة، بل تُستنزف حتى تفقد معناها.
مجتمعة، تشكّل هذه الوقائع ملامح نظام دولي قيد التشكل، لا يقوم على التعددية ولا على المؤسسات الجامعة، بل على تحالفات مرنة، ومجالس انتقائية، وشرعية تُصاغ بالقوة. ومجلس السلام، في هذا السياق، ليس مجرد مؤسسة جديدة، بل إعلان عملي عن نهاية مرحلة وبداية أخرى؛ مرحلة يُعاد فيها تعريف السلام لا بوصفه نتاج توافق دولي، بل نتيجة توازن ردع تفرضه القوى المهيمنة.
المفارقة أن هذا المسار، وإن بدا في المدى القصير معززًا للنفوذ الأمريكي، قد يقود في المدى البعيد إلى نتيجة معاكسة. فإضعاف الأمم المتحدة لا يخلق فراغا محايدا، بل يدفع القوى المنافسة وعلى رأسها الصين، إلى تسريع بناء منظومات موازية، وتحالفات بديلة، ونماذج شرعية خاصة بها. وهكذا، لا نكون أمام نظام عالمي جديد موحد، بل أمام عالم مفكك، تتجاور فيه أنظمة متنافسة بلا مرجعية جامعة.
السؤال الحاسم إذن؛ هل انتهى دور الأمم المتحدة؟
وهل يستطيع العالم تحمّل نظام دولي يُدار بلا قواعد مشتركة، وبلا مؤسسات تضبط الصراع قبل أن ينفجر؟
