عماد العتابي/
خلال الأسبوعين الماضيين، بدا دونالد ترمب مترددا في شن حرب على إيران وتهديداته لم تُترجم إلى خطوات عملية واضحة. لا تصعيد شامل، ولا تراجع صريح. هذا التردد، الذي بدا غير منسجم مع شخصيته المعروفة بالاندفاع، وفي توقيت لا يمكن فصله عن هذا التردد، ظهرت إلى العلن ملايين الصفحات من ملفات جيفري إبستين، وذُكر اسم ترمب آلاف المرات، قبل أن تُحذف حزمة كاملة من الوثائق بعد ساعات من نشرها.
في عالم السياسة، أحيانا يكون التزامن هو الرسالة نفسها. فما جرى لا يبدو تسريبا عشوائيا، بل تذكيرا لترمب، بأن الملفات موجودة والأدراج ممتلئة. اليوم أوراق، وغدا قد تكون صورا أو تسجيلات. والرسالة؛ “التردد في عدم شن الحرب على إيران له ثمن قاس”.
في هذا النوع من الحروب، لا تُستخدم الدبابات أولا، بل الفضائح، والابتزاز الجنسي لم يعد هامشا مظلما في السياسة الدولية، بل أداة ضغط مركزية تُستخدم عندما يتباطأ القرار أو يخرج القائد عن المسار المطلوب.
الرسالة التي خرجت اليوم ليست موجهة للرأي العام، بل لترمب نفسه؛ لسنا بحاجة إلى إسقاطك، فقط تذكيرك بما نملكه. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأدق، هل تُصنع قرارات الحرب فعلا في غرف الاستراتيجيات، أم في أدراج الأسرار؟
إن أخطر المعارك لا تُدار دائما بالمال أو السلاح، بل بملفات مظلمة تُحفظ في الأدراج إلى أن يحين موعد استخدامها. هكذا تُدار لعبة النفوذ في الخفاء، حيث تُختزن تسجيلات لفضائح أخلاقية وعلاقات جنسية بوصفها أدوات صامتة بيد الموساد، تُستعمل للضغط والابتزاز. وبذلك يتحول رؤساء دول وشخصيات نافذة إلى رهائن لقرارات مفروضة، لا يملكون حيالها الرفض أو المناورة.
تسريبات جيفري إبستين وضعت كل شيء على الطاولة فجأة. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يراه الملايين في العالم العربي والاسلامي “مخلّصًا” و”صديقا”، هو مجرد مغتصب وبيدوفيل يغتصب القاصرات، ويحب العبث بالاجهزة التناسلية لفتيات قاصرات واستغلالهن جنسيا مع تجاوزات وحشية لا يمكن للعقل البشري الطبيعي أن يستوعبها وكل ذلك حدث تحت أعين شخصيات بارزة مثل إيلون ماسك وأبناء ترمب.
هذه الملفات ليست مجرد فضائح أخلاقية، بل أدوات ابتزاز تُجبر القادة على الخضوع أو تغيير مواقفهم. فكل قرار وتراجع، وكل خطوة في السياسة يمكن أن تكون تحت تهديدها. لا شيء يحدث بالصدفة. منذ عقود، تُحفظ الملفات في الأدراج، ولا تُكشف إلا عندما يكون لها أقصى تأثير. ظهور اسم ترمب في هذا التوقيت ليس صدفة. وسط الأزمة مع إيران والتوترات العالمية المتصاعدة.
وسط هذا المشهد، يصبح السؤال الحقيقي أكثر خطورة من مجرد الحديث عن حرب أو سلام؛ بل من يقرر فعلًا؟ هل القرار بيد المؤسسات المنتخبة، أم بيد من يحتفظ بالأسرار في عالم الظل؟ وهل تُدار الحروب وفق الحسابات الجيوسياسية، أم وفق حسابات الفضائح المؤجلة؟
قضية إبستين، بما تحمله من تشابك أسماء نافذة ونهايات غامضة، كشفت جانبا مظلما من هذه اللعبة. لأنها لم تعد مجرد قضية جنائية، بل تحولت إلى مستودع أسرار عابر للسياسة والإعلام والمال. وكلما عادت إلى الواجهة، عاد معها التذكير بأن ما خفي قد يكون أخطر مما كُشف.
في عالم اليوم، القوة لا تُقاس فقط بعدد القواعد العسكرية أو حجم الترسانة النووية. القوة الحقيقية قد تكون ملفا صامتا، محفوظا في درج، لا يُستخدم إلا عند الحاجة. ومن يملك مثل هذه الملفات لا يحتاج إلى فرض أوامر، يكفيه أن يلمّح.
هكذا تُدار لعبة النفوذ الحديثة في الظل، بعيدا عن أعين الشعوب، وباستخدام أدوات لا تظهر في نشرات الأخبار. وحين نفهم هذا، ندرك أن كثيرا من القرارات التي نراها “مفاجئة” ليست كذلك، بل نتيجة ضغوط لم نُسمعها، ورسائل لم نُشاهدها.
إن أهم المعارك المصيرية اليوم ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُدار بالأسرار. ومن يملك تلك الأسرار، يملك القدرة على تحريك العالم، دون أن يترك أثرا واضحا على السطح..
