تحليل/
تعيش إيران اليوم مرحلة دقيقة في مسار صراعها الإقليمي، في وقت تحاول فيها القوى الصهيوأمريكية استغلال أي احتجاج داخلي لإضعاف الدولة وتشويش قرارها الاستراتيجي. المظاهرات الأخيرة التي شهدتها المدن الإيرانية، على الرغم من وجود مطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة، أظهرت مرة أخرى قدرة إيران على التمييز بين المطالب الشعبية الحقيقية وبين العناصر التخريبية التي تحركها أيادٍ خارجية، سواء أميركية أو إسرائيلية، بهدف زعزعة استقرار الدولة وتعطيل محور المقاومة.
في هذا السياق، تبدو محاولات واشنطن وتل أبيب واضحة في استغلال الأزمات الداخلية كغطاء للضغط السياسي والأمني، وخلق بيئة توتر يمكن أن تُسهل فرض معادلات خارجية على إيران أو الذهاب إلى إسقاط الدولة الايرانية. تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أكدت أن إيران تدرك تمامًا هذه التحركات، وأنها قادرة على التعامل مع الاحتجاجات الداخلية بحكمة، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي وعدم السماح لأي جهة خارجية باستغلالها.
لقد شدد لاريجاني على أن أي تدخل أميركي مباشر في الشؤون الإيرانية لن يضر إيران فحسب، بل سيمتد تأثيره ليزعزع استقرار المنطقة بأكملها، ويجعل الجنود الأميركيين في المنطقة أول من يدفع الثمن، محملاً الإدارة الأميركية مسؤولية أي مغامرة قد تشعل الصراع.
في المقابل، تحرك الكيان الإسرائيلي بشكل واضح على صعيد الاستعدادات العسكرية، وهو ما يعكس إدراكه بأن المواجهة مع إيران ليست مسألة خيار بل احتمال واقعي يجب التحضير له. وقيامه بنشر بطاريات الدفاع الجوي جديدة في الضفة الغربية، تعزيز المناورات البحرية، وتجهيز المستوطنات العسكرية، كلها خطوات تظهر خشية تل أبيب من طبيعة الرد الإيراني المحتمل، خاصة إذا تم استغلال الأزمات الداخلية أو التصعيد الخارجي ضد إيران. هذه الاستعدادات، رغم ضخامتها، تعكس القلق والخوف أكثر من كونها مؤشرًا على قوة مطلقة.
لقد جاءت رسالة الإيرانيين واضحة هذا الصباح، إيران لن تكون لقمة سهلة، وهي قادرة على إدارة الصراع بعقل بارد وذكاء استراتيجي. فالاحتجاجات الداخلية لا تشكل تهديدا وجوديا للنظام، بل اختبارًا لقدرة القيادة الإيرانية على الحفاظ على سيادة القرار. فإيران تمتلك الخبرة والاستعداد لمواجهة أي تهديد، وتحويل أي محاولة لفرض إرادة خارجية إلى فرصة لتعزيز مكانتها الإقليمية، وتأكيد قوتها الردعية.
تهديدات ترامب اليوم، وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين، تعكس محاولات واضحة لإرهاق إيران وفرض معادلات استسلامية عليها، لكن التاريخ أثبت أن الضغوط الخارجية لا تكسر إرادة إيران. على العكس، كل محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية أو المساس بمصالحها تزيد إيران تصميمًا على مواجهة أي تهديد، وتدفعها لتعزيز تماسكها الداخلي، ورفع مستوى جاهزيتها العسكرية والسياسية.
إيران ومعها محور المقاومة، التي تراكمت لديها خبرة سنوات طويلة من الصمود والمواجهة، ترى أن أي تهديد خارجي ليس مؤشر ضعف، بل فرصة لإعادة صياغة المعادلات، وفرض التوازنات الاستراتيجية في المنطقة. فإيران ليست فقط لاعبًا إقليميًا رئيسيا، بل قلب محور المقاومة الذي يمتلك القدرة على الرد في أكثر من ساحة وبأدوات متنوعة، ما يجعل أي
مغامرة أميركية/إسرائيلية محفوفة بالمخاطر.
في نهاية المطاف، ما يجري اليوم في إيران والمنطقة ليس مجرد احتجاجات داخلية أو تهديدات كلامية، بل فصل جديد من صراع طويل على النفوذ وإعادة رسم موازين القوى.
الرهان الأميركي/الإسرائيلي على إضعاف إيران أو دفعها لاتخاذ خطوات متسرعة يبدو ضعيفًا أمام صلابة النظام الإيراني، ووعي الشعب، وتجربة محور المقاومة الممتدة عبر السنوات. إيران تثبت مرة أخرى أنها ليست هدفا سهلا، وأن أي من يحاول فرض إرادته عليها سيواجه إرادة لا تلين، ومعادلات قوة صلبة تحمي مصالحها وتحافظ على استقرار المنطقة في وجه مغامرات الخارج.
