تقرير/
في واقعة لافتة وغير مسبوقة، تم استدعاء مواطن مغربي من طرف الشرطة القضائية بعد أن رفض تسلّم “قفة رمضان” وقرر إرجاعها. خطوة تعكس موقفًا شخصيا يحفظ كرامته. غير أن ما كان يُفترض أن يُفهم كاختيار فردي، تحوّل إلى ملف خطير يُستدعى فيه المواطن إلى مقرّ الشرطة، في مشهد يعكس مفارقة عميقة بين مفهوم التضامن ومفهوم الحرية.
في الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها، المساعدات الاجتماعية وُجدت لتخفيف وطأة الفقر والهشاشة، لا معيارا لقياس الولاء. فحين يشعر المواطن أن قبول الإعانة يُقدَّم له في سياق يمسّ كرامته، فمن حقه أن يرفضها دون أن يُنظر إليه كطرف متمرّد أو مشكّك في النظام السياسي. لأن الكرامة ليست امتيازً يُمنح، بل حق دستوري أصيل.
إن ربط العمل الإحساني بأي شكل من أشكال الضغط المعنوي أو السلطوي يفرغه من محتواه الإنساني، ويحوّل المبادرات الاجتماعية إلى أدوات رمزية تُستخدم لإعادة إنتاج الهشاشة بدل معالجتها. والدولة الحقيقية لا تخشى مواطنا يعبّر عن رأيه، حتى وإن كان رأيه رفض “قفة”. بل يفترض أن تحمي حقه في الاختيار، ما دام لم يخرق القانون.
بناء دولة الحق والقانون يمرّ عبر احترام حرية الاختيار، وصون كرامة الأفراد، وفصل العمل الاجتماعي عن أي شبهة توظيف. فالمواطن الذي يرفض “الإحسان” الذي يذله لا يرفض الوطن، بل يطالب بوطن يضمن له العيش الكريم دون منّة.
ما جرى لا يُقاس بالقفة أو بالمساعدات، بل بقياس موقف الدولة من كرامة مواطنيها. فاستدعاء شخص لمجرد رفضه “القفة” ليس مجرد إجراء إداري، بل رسالة صارخة أن المواطن مُطالب بالخضوع والصمت، والتخلي عن كرامته، وكأن رفض المنّة (القفة) أصبح جريمة يُعاقب عليها.
